باتت البيئة والأخطار المحدقة بها، الشغل الشاغل للعلماء والمهندسين وكل من يستشعر الخطر الداهم المحيق بالأرض، والمهدد لمستقبلها ومستقبل الناس الذين يعيشون فوقها، والخطر هذا من صنع أيديهم، وإليهم تعود غالبية أسبابه، لا سيما بعد الاستخدام المفرط وغير المنظم، لمقدرات الحياة ومقوماتها.

والارتجال والمبالغة، في استخراج ثرواتها الباطنيّة التي لابد نافذة يوماً ما، نتيجة التكالب على البحث عنها واستخراجها، والتفريط بها، دون حساب أو تفكير بالأجيال القادمة، التي من حقها علينا تأمين المستقبل الآمن والنظيف والسليم لها ولأبنائها وأحفادها.لقد برزت، بشكل واضح، أنانيّة وجشع الإنسان المعاصر، الذي بات يعيش بمنطق (أنا... ومن بعدي الطوفان)، وهذا ما يفسر الاندغار والتكالب، على تكريس الثروات، بأي شكل وطريقة وأسلوب، وبكميات خياليّة، توفر لبعض مالكيها، حياة رغيدة، حتى لو ماتوا وعاشوا آلاف المرات.

والسؤال المحيّر: لماذا يتكالب هؤلاء على جمع الثروات وتكريسها وتكديسها وتنميتها، بالطرق المشروعة وغير المشروعة؟. ولماذا لا يشاركون أخوتهم المحتاجين بالقليل القليل منها؟.لب المشكلة هنا، أن الهاجس المرضي الذي يسكن هؤلاء الناس، بزيادة ثرواتهم وتكديسها، أعماهم عن الوسائل المدمرة للبيئة وللأرض التي يستخدمونها للوصول اليها. فالمهم عندهم، ازدياد أرقام هذه الثروات، حتى لو رافقها، ازدياد مماثل في عدد الوفيات، في صفوف الناس الذين يصنعون لهم هذه الثروات، وازدياد وسائل تدمير البيئة؟!!

النصف الملآن في المقابل، هناك من يعمل جاهداً، على إيقاف حالة التدهور المتفاقمة يوماً بعد يوم، في البيئة التي تشكو اليوم، من أمراض قاتلة، ترسم صورة قاتمةومفعمة بالتشاؤم لمستقبل الأرض وإنسانها. ولأن هواجس غيريّة، نبيلة، خيرة، ومفعمة بالإنسانيّة الشفيفة، تسكنهم، فهم يناضلون بشراسة، على جبهة حماية البيئة وحفظها وترميمها، وتالياً تخليصها من الأمراض الفتاكة التي استشرت فيها.من مظاهر حفظ البيئة وصونها (العمارة الخضراء) وهي عمارة صديقة للبيئة، تهدف إلى إرساء دعائم فكر معماري بيئي جديد، أكثر ارتباطاً بالطبيعة والمناخ والقواعد السليمة لحفظ الأرض والإنسان. أهم وأبرز خواص هذه العمارة، أنها تُصمم وتُنفذ وتُشغّل ويتم صيانتها والتخلص منها، بعد انتهاء عمرها.وذلك بأساليب وطرق، تحترم البيئة، وفي نفس الوقت تراعي تقليل استهلاك الطاقة والمواد والموارد، بالإضافة إلى تقليل تأثيرات الإنشاء والاستعمال على البيئة، والتأكيد على انسجامها وتوافقها وارتباطها بالطبيعة.

تقف وراء فكرة المباني المستدامة صديقة البيئة، جملة من الأسباب، في طليعتها أزمة الطاقة التي باتت تفرض وجودها الثقيل والمخيف، على حياة الإنسان المعاصر.

الطاقة التي لا يدري الإنسان، متى تنضب المواد والخامات التي تولدها، بعد الحالة النشطة وغير المنظمة أو المتفاقمة، لعملية صرفها وتبديدها، لا سيما بوجود ناطحات سحاب مصنوعة من الفولاذ والزجاج، تحتاج إلى تدفئة هائلة، وتبريد مماثل، والاثنان مكلفان، من أجل هذا، بدأت المساعي الخيّرة، تبحث عن مبانٍ بديلة، أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، إضافة إلى إرساء جملة من التقاليد الهامة والضرورية القادرة على صون البيئة.

من ذلك، تكريس ونشر مفهوم المباني المستدامة، وإنجازها واستعمالها، دون المساس بالموارد الاحتياطيّة التي يجب أن تبقى محفوظة ومصانة للأجيال القادمة، خصوصاً وأن مثل هذه المباني، لا تهتم فقط في وضع استراتيجيّة البناء المتكاملة، من الوجهة البيئيّة فحسب، وإنما تهتم أيضاً باستخدام الطاقة الخضراء، أي الطاقة المتجددة، لا سيما طاقة الشمس والرياح، ومدننا العربيّة ثرة وغنيّة بهذه الطاقة!!.

من جانب آخر، فإن هذه المباني المقترحة، تحقق حالة هامة وضروريّة، من التوافق والانسجام بين الإنسان ومجتمعه وبيئته، عبر الكفاءة في استخدام الموارد والمواد، والتعامل الأمثل مع الظروف المناخيّة والجغرافيّة والاجتماعيّة السائدة، والاستجابة للاحتياجات البشريّة الماديّة والاجتماعيّة، مع الحفاظ على حقوق واحتياجات الأجيال القادمة.

مفهوم العمارة الخضراء

ينهض مفهوم العمارة الخضراء على منصة رئيسة هي تصميم المباني بأسلوب يحترم البيئة، وتقليل ما أمكن من استهلاك الطاقة والموارد والمواد والخامات، والتقليل من تأثيرات الإنشاء والبناء على البيئة، والفوز في نفس الوقت بعلاقة منسجمة مع الطبيعة.

وذلك على العكس من المباني والمدن المريضة التي تقوم باستنزاف الطاقة والموارد، وتلويث البيئة بما يخرج منها من انبعاثات غازية وأدخنة أو فضلات سائلة وصلبة، والتأثير السلبي على صحة مستعمليها، نتيجة استخدام مواد كيماويّة، أو ملوثات أخرى مختلفة.

فالعمارة الخضراء تستخدم مواد صديقة للبيئة، وطاقات طبيعيّة، وتحافظ على الماء داخلها، وعلى جودة الهواء، وتعتمد على الإضاءة الطبيعيّة، والتصميم، الآمن، والألوان المدروسة، وتحرص على أن تتوافق مع البيئة وموادها التي أثبتت جدواها، وردت على المناخ السائد، فوفرت الدفء للإنسان في الشتاء، والرطوبة في الصيف.

العمارة والبيئة

من أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في العمارة الخضراء صديقة البيئة، انسجامها مع محيطها معمارياً وبيئياً وتاريخياً واجتماعياً، وتوافقها مع عادات وتقاليد الإنسان الذي يستخدمها، مهما كانت وظيفة هذه العمارة، ذلك لأن تحقيق الطابع المعماري المنسجم مع البيئة، يعني منح البناء سجية فُطر عليها الإنسان ساكنه. أي تحقيق التلقائيّة فيه بلا افتعال أو إملاء، والتلقائيّة هي بنت البيئة، وأبرز مظاهرها.

هو طراز هجين، أصبح مهيمناً على العمارة العالمية، بالمقابل، فإن تفعيل عملية نشر وتعميم وتطبيق مفاهيم الأبنية الخضراء، صديقة البيئة، لا يمكن أن تنجح وتحقق أهدافها الصحيحة، دون توفر المصمم الاختصاصي المؤهل في هذا المجال، وقبل هذا وذاك، المؤمن بنبل وأهمية المهمة التي يقوم بها.

فهذه الأبنية ليست ترفاً أكاديمياً، ولا توجهاً نظرياً، ولا أماني وأحلام وخيالات مهّومة، لا أساس واقعياً لها، بل هي توجهاً تطبيقياً عالمياً، وممارسة مهنيّة واعيّة، بدأت تتشكل ملامحها وأبعادها بشكل كبير، في أوساط المعماريين والمهندسين المعنيين بقطاعات البناء، في الدول الصناعيّة المتقدمة.

وقد قطعت تلك الدول، أشواطاً طويلة في هذا المجال، وهناك تزايداً ملحوظاً في الإقبال على هذا التوجه، من قبل العامة، في ظل الأخطار الكبيرة التي تتعرض لها البيئة، والتدمير المتعاظم للمقومات الحافظة لها.

الحدائق المعلقة

من جانب آخر، بدأت تنتشر، وبشكل لافت، الحدائق المعلقة على الأبنية، والتي تأتي ضمن مفهوم حفظ البيئة، وصونها، وتوفير المناخ السليم للإنسان وتقريب الطبيعة، بعناصرها النباتيّة، إلى حيث يمضي جل وقته. أي الى واجهات وشرفات منزله ومكان عمله. فقد بدأت وسائل الإعلام المختلفة، تنقل إلينا صوراً لحدائق تتجه شاقولياً، أي حدائق معلقة على واجهات الأبنيّة، كما رأينا ذلك بأم العين، في مدينة بيروت.

وفي معظم الدول العربيّة (لا سيما المعتدلة المناخ) ثمة ظاهرة قديمة _ جديدة، تتمثل بشغف ربات المنازل في الريف والمدينة على حدٍ سواء، باستنهاض النباتات والورود، حول منازلهن، على شكل حدائق، أو (حواكير) أو ضمن أحواض طينيّة بسيطة، أو في أصيص.

كما تقوم ربات المنازل في المدن الكبيرة، بتحويل شرفات ونوافذ بيوتهن، إلى حدائق معلقة، تنوء بأعداد لا تحصى من النباتات والأزاهير والأشجار القزميّة، وبعضهن يستنهض عرائش الياسمين، والمجنونة، واللبلاب، وغيره، من الطابق الأرضي إلى شرفات ونوافذ المنازل، مهما كانت مرتفعة، ما يؤكد مدى تعلق الإنسان بالعرق الأخضر، وعشقه للطبيعة التي ترطب احاسيسه، وتعدل مزاجه، وتُطلق روحه في عوالم نديّة، تغتسل خلالها من صدأ العادة والتعود، وطغيان التكنولوجيا وسطوتها على مرافق حياته كافة.

محمود شاهين