عالم ملون بكل ألوان الطيف والزهور، عالم عبقري بحق، لأنه يخاطب مرحلة عمرية هي الأكثر أهمية في حياة كل منا، مرحلة الطفولة التي ترتكز عليها سنوات عمر الإنسان كلها، ومن هنا كانت الأهم من حيث الوعي بها، ورعاية الصغار خلالها، والاهتمام بهم لأنهم يصنفون في علم النفس على أنهم «أناس يعون ويتفهمون كل شيء.
ولكن فقط تنقصهم الخبرة الحياتية». هكذا عَرّف العالم الألماني برناردفون بريخت المتخصص في علم نفس الطفل، مفردات هذا العالم وهذه المرحلة، مفردات السهل الممتنع، وهي ألعاب الأطفال.إن المفارقة هنا ان صنّاع ألعاب الأطفال في العالم كله، وربما عالمنا العربي أيضاً، يوصفون «بالعباقرة»، لأنهم يدخلون عالم الصغار دونما استئذان يقدمون ألعابهم التي يتعايش معها الطفل وتكون علاقته الثانية ـ بعد أمه ـ بالعالم الخارجي.وأهمية اللُعب بالنسبة للأطفال حكاية تحكى، ولكن في البداية لابد وأن نركز على أن المناسبة التي تقدم فيها اللعب ونوعيتها هي المرحلة الأهم ثم تأتي مرحلة علاقة الطفل بألعابه المختلفة.
حافز للأمل
ويوضح دكتور «برناردفون بريخت» الاختصاصي في علم نفس الطفل، ان الفرحة الحقيقية بالنسبة للطفل، في سنواته الأولى وما بعدها، ان يستيقظ من نومه في صباح عطلة نهاية الأسبوع، فيجد بجواره لعبة أحبها ووقف طويلاً أمامها في إحدى زياراته لمحلات لعب الأطفال، وهنا يلعب وعي الأهل دوره ، كما يؤكد د. بريخت، لان تقديم اللعبة في هذا التوقيت بالتحديد يجعل الطفل يشعر بالأمل الذي يتحقق مع يوم جديد مختلف هو يوم عطلة نهاية الأسبوع، بالإضافة إلى انه يشعر فطريا بأنها مكافأة من أجل تفوقه في الدراسة وحُسْن سلوكياته مع نفسه والآخرين.
والطفل حديث الولادة يتعرف على الألعاب بذكاء فطري جامح، ومن هنا اهتمت صناعة ألعاب الاطفال في ألمانيا بصناعة نوعية خاصة جداً من الألعاب الموحية بالليل والنهار، فألعاب الليل عبارة عن دمى صغيرة ناعمة عيونها ناعسة ملابسها بها نجوم وقمر وسماء زرقاء هادئة، وتصدر موسيقى بطيئة هادئة، تعلق هذه الدمى داخل «سرير» الصغير فالإيحاء يلعب دورة وينام الطفل حديث الولادة مقلداً الدمى دونما يشعر، ولكن اللاشعور في هذه المرحلة يكون الأقوى من مراحل أخرى في عمر الصغير.
والمدارس الألمانية في أنحاء العالم كله، وبعض العواصم العربية كالقاهرة، تختبر الصغار الذين يخطون بخطواتهم الأولى إلى المدرسة، يختبرونهم عن طريق تعاملاتهم المختلفة مع الألعاب، والنجاح والإخفاق يحددها طبيب نفس متخصص يراقب الطفل من وراء ستارة، بحيث لا يرتبك الصغير.
وقبل هذه المرحلة، للأم دورها في اللعب مع صغيرها والذي ينقسم إلى ثلاثة محاور، المكافأة بالألعاب والتربية عن طريق توجيه الأوامر والحكايات للدمى، فيعيها الصغير ويقلد الدمى لأنها من المفترض أن تسمع كلام الأم.
اكتشاف مواهب الصغار عن طريق اختياراتهم لألعابهم، فالعديد من طهاة العالم الأكثر شهرة مثل الطاهية العالمية الشيف انجيلا لوشن صاحبة أعلى نسبة مبيعات لكتب الطهي على مستوى العالم، وصاحبة برنامج للطهي باسمها، كانت في طفولتها لا تختار سوى كل ما يتعلق بالمطبخ وأدواته التي تأخذ شكل لعب للصغار.
كذلك «الشيف العالمي» جاري رودز الحائز على جائزة أفضل شيف على مستوى العالم في العام 2009، كان دائم اللعب بالخضروات والمأكولات التي تصنع من البلاستيك، وربما من هنا يمكن أن نلمح أن العالم المصري عصام حجي الذي يعمل كثاني مصري في وكالة «ناسا» بالولايات المتحدة الأميركية، كانت كل ألعابه من الطائرات والصواريخ التي يعيد تركيبها بعد تفكيكها ليتعرف عليها أكثر.
العروس والحصان
وأهم لعبتين بالنسبة للأطفال، منذ عهود قديمة وربما حتى الآن، هما العروس للفتاة، والحصان للصبي، ولكن الطموحات العملاقة في هذه الصناعة تدخلت، وأصبحت العروسة التقليدية ذات الشعر الذهبي والعيون الملونة والتي تقول ماما، بابا، تطورت لأن تكون العروسة المتربعة على عرش لعبة الفتيات، وهي العروسة باربي التي أصبحت تنعم بالنجومية والعالمية معاً برغم العديد من الانتقادات التي وجهت لصناعها لأنها لا تصلح لطفولة بريئة، فما هي قصة باربي هذه؟
هي من تصميم سيدة الأعمال الأميركية روث هاندلر 1916 ـ 2002) التي استوحت فكرتها من العروسة الألمانية الشهيرة بيلد ليلى، شكلت باربي جزءاً مهما في سوق العرائس على مستوى العالم، لمدة 40 عاماً، ولكنها واجهت منافسة جنباً إلى جنب مع الانتقادات، منافسة من مثيلتها البريطانية براتز.
ومن أشهر ألعاب الأطفال «الدبدوب» متعدد الأحجام والألوان، والذي يلعب دور البطولة، محققاً أعلى نسبة مبيعات بين لعب الاطفال بمناسبة عيد الحب فالنتين داي، وهنا ربما تخرج اللعبة الدبدوب عن معناها الطفولي المعروف، الى معنى رومانسي، فنجد الخطيب يتقدم لخطيبته، معبراً لها عن عشقه، بدبدوب زهري اللون يحتضن قلبا أحمر متوهجا بالحب.
ومغلفا بأوراق الهدايا المطبوع عليها زهور حمراء، بالإضافة لأشهر أنواع الشوكولاته السويسرية الشهيرة، فيختذل الحب في هذه الرموز، ولكن السؤال المهم هنا، هل سيظل الدبدوب والشوكولاته السويسرية مرسال حب وعشق وغرام بعد الزواج؟!
ولتحقيق أعلى نسب مبيعات للعب الأطفال، هناك دراسة تؤكد على الأماكن التي يرتادها الأطفال جنباً إلى جنب مع المحلات المتخصصة في بيع لعب الأطفال، وهذه الدراسة تؤكد بأن وضع الألعاب في خانة معينة من ثلاجات المياه الغازية والعصائر، بأن يضع الصغير عملة نقدية معدنية فتقفز اللعبة ليديه، ايضا وضع ألعاب تجذب الانتباه في مكان دفع النقود في السوبر ماركت، فلابد أن يلتقط الصغير اللعب مجبراً أهله لدفع ثمنها مع بقية المشتروات، داخل المستشفيات ومحطات البترول ودور السينما التي تعرض أفلام أطفال ذكاء يدخل في عالم المال والألعاب، فالطفل هو الرابح دائماً أما الأهل، فيعتقدون جيداً ان البقاء للأقوى، للصغير!
الأشهر راهناً
تطورت ألعاب الأطفال في عصرنا اللاهث هذا، وأخذت أشكالاً مختلفة، مثل لعبة تعكس الموبايل وأخرى تعكس الكمبيوتر، وثالثة تعكس الإنسان الآلي (الروبوت) الذي يطيع الأوامر وينفذ كل الصعاب من أجل أخيه «الإنسان» صواريخ «عابرة الحجرات» في المنزل!
وبوارج وسيارات مصفحة، دروع وأقنعة، مفردات لعصر لا يعرف سوى لغة العنف، ولكن للرومانسية سحرها دائماً، تتسلل الألعاب الناعمة الآتية من زمن فات لتثبت حضورها ربما تفوز بإعجاب أجيال جديدة من الأطفال.
«المزرعة»... لعبة ابتكرها الألمان والانجليز، نابعة من الريف الألماني الخصب والبريطاني الكلاسيكي، تعكس حيوانات المزرعة مزودين بأصواتهم الطبيعية، كالخراف والأبقار والأوز والبط والدجاج، وبرغم انها آتية من زمن هادئ يرمز للاستقرار والزراعة، فهي تحقق حالياً أعلى نسبة مبيعات على امتداد العالم.
ويغلف العالم ملايين من متاجر بيع لعب الأطفال من أشهر هذه المحلات واندر ورلد، وهي سلسلة محلات أميركية على امتداد العالم، حتى على الشواطئ العالمية والمنتجعات، ومحلات أخرى منيز بالقاهرة .
وهي أيضا سلسلة محلات في كل العالم وتويز آر اس، اما شركات الطيران العملاقة الوطنية التي تمثل كل بلد من بلاد العالم، فعلى متنها تُقدم الألعاب للأطفال، فليس فقط كنوع من الدعاية للشركة ذات الصيت الذائع، وإنما لكسب صمت الصغار أثناء الرحلة، خاصة الرحلات التي تدوم 24 ساعة، وهي ربما يحتاج الطفل فيها لألعاب إضافية، حتى لا يهدد راحة المسافرين!
ولألعاب الأطفال دور خاص جداً في الدراما العربية والعالمية وفي السينما أيضاً ولعل المثال البارز في هذا المجال المسلسل الرمضاني الشهير «يتربى في عزو، الذي تم بثه لأول مرة خلال شهر رمضان 2007، وحقق نجاحا فائقا، جذبت مشاهدي العالم العربي كله والجاليات العربية المتناثرة في أنحاء العالم، والمسلسل من بطولة العبقري يحيى الفخراني وكريمة مختار ورانيا فريد شوقي ونهال عنبر.
وحسن مصطفى وكوكبة كبيرة من نجوم مصر، يعكس شخصية حمادة المدلل، والذي يمتلك واحداً من اكبر محلات لعب الأطفال في مصر، في ضاحية المعادي الهادئة الارستقراطية التي ترمز للأسرة الارستقراطية التي ينحدر منها «حمادة عزو»، ويرمز محل لعب الاطفال في المسلسل لشخصية «حمادة عزو».
حيث الطفل له السيطرة والهيمنة على حمادة عزو، بسبب تدليل والدته، ماما نونا، له ولكن مشهد القمة يكمن في الحلقة الأخيرة عند وفاة والدته، وتحوله لطفل حقيقي يبكي ويتناول «البليلة» بطريقة طفولية لا سيطرة فيها على مشاعره، مما أدى إلى أن تنهمر دموع المشاهدين في هذا المشهد، والطلب الفائق في إعادة المسلسل حيث يعاد حتى اليوم على الفضائيات المختلفة.
ويعكس هذا المسلسل أهمية العاب الأطفال لديه بأنه المتخصص في صنعها وتصميمها ويرتبط بالصغار، يعكس ذلك المشهد الذي جلس فيه عزو على الأرض يلعب مع الطفلة يوم خطوبة ابنه الأكبر، وأيضا يوم لعب مع ابن شخصية أميركية بارزة في شاطئ شرم الشيخ، مما أدى إلى التصاق الأميركي الصغير بعزو، الأمر الذي فجّر مشكلة أمنية.
المسلسل من تأليف يوسف معاطي وإخراج مجدي أبو عميرة ويعكس بحق ملامح عالم لساحر هو عالم الألعاب الأطفال.
وفي فيلم «صايع بحر» بطولة أحمد حلمي وياسمين عبدالعزيز يلمحه المشاهد عندما فسخ خطوبته واخذ يبيع لعب الدباديب، ودموعه تنهال في حالة هيستيرية.
وفي السينما العالمية استخدمت الألعاب في بعض الأفلام في مجال الإثارة والتشويق والجريمة، مثل فيلم «الروبوت» وفيلم «وحيد في المنزل» الذي يلعب بطولته طفل صغير، تخلف عن أسرته ليلة رأس السنة، ولم يسافر معهم وانما أخذ البطاقة الائتمانية لوالده، ومعه ألعابه المحببة ومكث في أكبر فنادق نيويورك، وكان يوظف العابه في المشاغبات للعاملين في الفندق في اطار كوميدي.
وفي الفن التشكيلي لألعاب الأطفال مكانة، حيث تتألق في لوحة الارجوحة «لجاذبية سري» تعكس فيها الأطفال على الارجوحة في الاعياد، ولوحة أم رتيبة للفنانة ذاتها، تعكس فلاحة مصرية صغيرة تلعب بدميتها القماشية يدوية الصنع ولوحة «عروسة المولد» للفنان جمال السجيني، والتي تعكس دمية تقليدية تعكس المولد، وهي في الحقيقة تصنع من السكر، وتباع للصغار في المولد النبوي الشريف.
منى مدكور

