يرتبط العرب بالأتراك ارتباطا جذريا وتاريخيا، وصل حد التوحد، ورغم الانفصال والخروج من الإمبراطورية العثمانية إلا أننا لم ننفصل حد القطيعة، فما زالت موسيقانا تشترك مع الموسيقى التركية ببعض المقامات والأدوار والموشحات، وأسماؤنا مشتركة، وديننا واحد، بل إن غذاءنا يمكن أن يكون مشتركاً لولا بعض الاختلافات التي طرأت على بعض الأصناف خلال المئة العام الماضية في تقسيم ممتلكات الرجل المريض كما كانت تسمى دولة بني العثمان.
لم أزر تركيا في حياتي، إن مررت على بعض مطاراتها بالترانزيت، كنت أظن أنها ابتعدت عن جزء أساس من مكوناتها الأساسية التي امتدت حتى شمال أفريقيا من وطننا والتي دامت حوالي 400 عام، خاصة وأن ما قرأنا عن كمال أتاتورك ومشروعه الوطني التركي الرافض للعرب زاد فينا الشعور بالابتعاد، حتى زرت مؤخراً اسطنبول وبعض المدن التركية الأخرى.
في هذه الزيارة أدركت أبعاد تفكير أردوغان ومشروعه في العودة إلى الشرق الأوسط، والبحث عن أدوار عديدة فيه، وكأنه أدرك خطأ أتاتورك، وبالفعل فإن زيارتي القصيرة ساعدتني على فهم دور أردوغان وسياسته تجاه العرب في السنوات الخمس الأخيرة.
خلال يوم أو يومين وجدت الأتراك ما زالوا يستعملون العديد من المفردات اللغوية التي تنتشر بكثرة في لهجاتنا العامية، خاصة المحكية العراقية والمصرية والسورية، الأقاليم الأساسية لحكم العثمانيين، كذلك لم أجد غربة في طلب أي نوع من الطعام، لقد تنقلت بحكم السياحة بين المطاعم وكأنني انتقل بين مطاعم دمشق أو بغداد أو القاهرة، بل ولعلي أيضاً في دبي.
أسماء الشوارع والساحات عربية أو شبه عربية.إلا أن عظمة المساجد التي بناها سلاطين العثمانيين تعتبر تحفة الفن الإسلامي الرفيع، وتحديا كبيرا أمام التحديات التي واجهت الإمبراطورية العثمانية في تأكيد الإسلام كدين وعقيدة ومنهج، وأمام كل هذا الانتماء وعدم الابتعاد، فإنك تجد نفسك أمام تجربة حضارية في التطور والتكنولوجيا.
ومما يميزها أيضاً تلك المشاركة الأوروبية الآسيوية، والتعايش ما بين الغرب والشرق معاً دون تنافر أو تضاد، فإن تجربة اسطنبول في احتوائها لقارتين أضواء لأنماط الحياة المختلفة في توازن مرن وحضاري ومعاصر مما يجعلها نموذجاً للمدينة الإسلامية المعاصرة التي تجمع الأضداد دون تنافر وتجمع الأديان دون صراع، وتعايش الناس على اختلاف مشاربهم ودياناتهم وتوجهاتهم.
في اسطنبول مثال حيوي على سياسة أردوغان المتوازنة وتفسير الإستراتيجية في العودة إلينا بعد قرن من الابتعاد.
