«لأن حياتنا العربية بلا نقد سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي فإننا نسير على طريق شديدة الوعورة» لقد أطلقتُ تلك الصرخة في شهادة شعرية قدمتها خلال ملتقى الشعر العربي في دمشق / أغسطس 2008، حينها كانت دمشق عاصمة للثقافة العربية، لم أعترف يومها أن تأخر الكتابة العربية عن مثيلتها الغربية يعزى إلى غياب النقد فقط، ولكن عن غياب قسري للنقد حول ما ينجز في التنمية وفي خطط المستقبل وعن غياب النقد يمكن أن نفتح محاور وندوات قد لا تنتهي بتلك السهولة، لأن النقد حاضر بشكله، غائب بفعله.

في مكتباتنا عشرات بل مئات الكتب النقدية تتكدس على رفوفها ولكن معظمها كتب أكاديمية المنهج تكرر ذاتها أو تعيد إنتاج مصطلحات مدرسية، وفي أذهاننا ـ التي تربت على مفهوم النقد بمعناه كشف الأخطاء ـ ساهمت الكتابات السريعة في الصحف إلى إحلال الانطباعات محل النقد كأن يكتب أحدهم مقالاً معجباً بكتاب أو بمؤلفه فيدخل في خانة النقد، بينما هو مجاملة عامة تدخل في باب توجيه التحية أو الإطراء الشخصي.

وكادت هذه النوعية من الكتابات أن تحيل النقد إلى التقاعد لولا أصوات متباعدة في أودية متفرقة تطالب بتفحص الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتطالب بتصحيح مسارها عملاً بمفهوم النقد والنقد الذاتي الذي عملت عليه الأدبيات الحزبية طيلة سنوات.

ما فائدة النقد إذا لم يكن دافعاً للتغيير، دليلاً إلى الأخطاء. وعلينا ـ من باب النقد الذاتي ـ الاعتراف، أن نعطي الأولوية للأفكار الجيدة، وهذا يعني إلغاء المحسوبيات وإسقاط اصطفافات الفكر والانتصار لما هو جدي وحقيقي وجديد، حتى لا تزدهر موضة الكتابات الانطباعية عن النصوص الأدبية أو اللوحات التشكيلية أو العروض المسرحية والسينمائية وجلها انطباعات من واقع الحال.

وإذا عممنا الحديث نحو ما هو أشمل من محيط المنتج الثقافي علينا أن نسأل ما هي جدوى المشاريع الكبيرة إذا لم تنعكس إيجاباً على حياة الفرد، وأن نتفحص مناهجنا التعليمية ومفردات حياتنا العامة ومن ثم نضعها على المشرحة بحثاً وتدقيقاً، ليس عن جدواها فقط، بل الإشارة إلى مكامن صوابها كما عن أخطائها.

ما نعاني منه فعلياً هو غياب الكتاب النقدي الذي يمتلك مصداقية في الطرح وتطبيقية في الفهم، على شاكلة هذا هو النص وهذا ما يقابله من نقد علمي منهجي جديد، وهذا هو المنجز وهذه حسناته وتلك هناته، عندها تتطور حياتنا بشكل صحيح بعيداً عن المجاملات والمحاباة والتربيت على الأكتاف.

hussain@albayan.ae