قيل وكُتب الكثير عن المسار الذي عرفته الثقافة الإنسانية منذ العصور القديمة حتى اليوم. والباحثة «كاتي ديستن»، خريجة جامعتي كمبردج وشيفلد تقترح في كتابها «التطور الثقافي» نظرية جديدة حول المسار التطوري الذي عرفته الثقافة الإنسانية، في محاولة لفهم أصولها وآليات عملها.
إن المؤلفة تقدم مفهوما جديدا لعملية تبادل المعلومات بين البشر عبر وسائل اخترعها البشر أنفسهم مثل الكتابة واللغة الموسيقية، وليس فقط عبر ما تسميه المؤلفة ب«اللغات الطبيعية» التي تعتمد على الأصوات أو الإشارات. وعبر الوسائل التي اخترعها البشر أنفسهم استطاعوا أن يتلقّوا أو ينقلوا للآخرين مختلف أشكال المعلومات ويتواصلوا فيما بينهم.
وهذه الوسائل هي نتاج الدماغ الإنساني وقدرته على الانتقال من «الملموس» إلى «المجرّد». ومن خلال دراسة مسار التطور الثقافي الإنساني يمكن فهم مدى تعقيد الثقافة الإنسانية ومدى تنوعها وتجاوزها لحدود جميع الثقافات «منفردة».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يبحث الأول منها في «إرث المعلومات الثقافية» حيث تتم دراسة آليات توارث هذه المعلومات. ويبحث القسم الثاني في نفس «الإرث» ولكن من زاوية العلاقة بين «اللغة الطبيعية والثقافة».
والموضوع الأساسي للقسم الثالث هو «اللغة الاصطناعية، المبتكرة» حيث تدرس المؤلفة مسيرة تطورها، كما تكرّس فصلين في هذا القسم لدراسة: «المال كعملة للتداول الثقافي» و«المال كوسيلة لشرح اللغات الاصطناعية».
ويدرس القسم الثالث «الكيفية التي يؤثر فيها التنوّع الإنساني على التطور الثقافي». أما القسم الرابع والأخير فهو مكرّس لدراسة المثال الحالي للتطور الثقافي» أو ما يسمى ب«الإيكولوجيا الثقافية».
تنطلق المؤلفة في تحليلاتها من البحث في آليات عمل الدماغ الإنساني التي جعلت النوع البشري هو الوحيد الذي يتميّز المسار التطوري الثقافي البشري فيه بأنه نتاح كم هائل من المسارات مما سمح بزيادة «التعقيد الثقافي».
هذا التعقيد الذي «تسارع» أكثر فأكثر بعد اختراع وسائل التواصل ونقل المعلومات والمفاهيم عبر اللغات ذات الطابع «الاتفاقي» من حيث أنها ليست «لغات طبيعية» ولكنها «اختراع بشري».
وتقيم المؤلفة نوعا من الموازاة بين اللغات الطبيعية والعقل البدائي. هذا على أساس أن «اللغة الطبيعية» كانت هي وسيلة التواصل بين البشر في فترة ما قبل مائتي ألف سنة وما قبل 50 ألف سنة.
وتتم الإشارة هنا إلى أن الدماغ الإنساني تطور هو الآخر بالموازاة مع المخترعات التي حققها البشر. لكن كان التطور الأهم بالنسبة للغات هو منذ فترة تقارب السبعة آلاف سنة مع اختراع الكتابة في عدد من اللغات التي فرضت نفسها عندها ك«لغات سائدة». وتتم الإشارة هنا إلى أن هذه اللغات «السائدة» توسّع دائرة مستخدميها بحيث أنه توجد اليوم 6000 لغة مهددة بالانقراض.
وفي مقابل اللغة الطبيعية التي يتم «إعدادها» بطريقة «عفوية» إلى حد كبير تحدد المؤلف القول أن «اللغة الاصطناعية»، بمعنى التي اخترعها عدد من البشر أو ربما فرد واحد شكّلت «قفزة نوعية» في مسار التطور الإنساني الثقافي. ذلك خاصة أن اللغة الاصطناعية تمثل في أحد وجوهها «فعلا ثقافيا» إذ جرى اختراعها بجهد إنساني حوّل من طبيعة اللغة الطبيعية عبر التعبير ب«رموز».
وتحدد المؤلفة القول في معرض حديثها عن «الإيكولوجيا الثقافية» أنها تعني العلاقة بين معطيات المجتمع ومحيطه الطبيعي. وتشرح أن مسار التطور الثقافي الإنساني لم يكن بعيدا عن تأثر الثقافة بالمحيط المادي والبيولوجي المعني فيها، وحيث كان أي «تبدل» ثقافي يرتبط إلى هذه الدرجة أو تلك مع مسعى التكيّف مع الوسط المحيط. ذلك أن الوسط المحيط يفرض نمط سلوكيات البشر ويوجّه أعمالهم وبالتالي ثقافتهم.
وهناك أمثلة عديدة يتم تقديمها على دور الواقع البيئي «الايكولوجي» في صياغة اهتمامات الثقافات المعنية فيه.
فمثلا يمكن لواقع الجفاف في منطقة ما أن يجعل من الحاجة للمياه ومن طلبها موضوعا ثقافيا مركزيا في الحياة اليومية للبشر» بل ويمكن أن يكتسي أهمية تجعل منه قطبا مركزيا في المعتقدات، كما عرفت بعض الحضارات القديمة». لكن مثل الأهمية تنتفي وتغيب تماما في مناطق تتسم بغزارة الأمطار فيها، أوتتوفر فيها شبكة الري. هكذا على أساس واقع تنوع المناطق واختلاف أنماط البيئة فيها يمكن أن تتباين الثقافات، بما يحقق بالتالي تنوّعها.
هكذا أيضاً على أساس نمط أشكال التعامل مع البيئة يحاول علماء الآثار توصيف الثقافات التي كانت سائدة في مناطقها. وعلى قاعدة مثل هذا الاهتمام برز ما يسمّى ب«إيكولوجيا المعرفة».
وتدرس المؤلفة أخيرا تلك «الحالات الذهنية» التي تجسّد معلومات يمكن نقلها اجتماعيا. هذه المعلومات تخص القيم والرغبات والتاريخ والأساطير والطقوس وطريقة التفكير والتصرف، الخ. وهذه كلها «حوامل» للثقافة.
وكل تحوّل في «الحالات الذهنية» لا بد وأن يكون له إذن عواقب ثقافية تؤثر بدورها في المسار التطوري الثقافي الإنساني. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن بعض الباحثين يربطون «الحالات الذهنية» المعنية بمورّثات-جينات- تختلف من عرق إلى آخر. وترى المؤلفة أنه رغم أهمية البحث في مثل هذا الموضوع فإنه من الصعب أن يكون مشربا علميا لشرح نظرية التطور الثقافي.
الكتاب: لتطور الثقافي
تأليف: كاتي ديستن
الناشر: جامعة كمبردج - 2010
الصفحات: 200 صفحة
القطع: المتوسط
Cultural evolution
Kate Distin
Cambridge University Press- 2010
