كان المهندس الكيميائي الفرنسي «برونو بونيل» أسس في مطلع عقد الثمانينات الماضي شركة لإنتاج ألعاب «الفيديو»، أصبحت في عداد الأكثر أهمية على الصعيد العالمي في ميدانها. ثم أولى اهتمامه لشبكة الانترنت وثمارها التكنولوجية ليعلن بعد ذلك قدوم عصر الإنسان الآلي «الروبوت» الذي يكرّس له كتابه الصادر قبل أسابيع تحت عنوان «يعيش عصر الإنسان الآلي».
إن المؤلف يشرح في هذا الكتاب آليات بروز هذه «الآلات الذكية» في الحياة اليومية للبشر. وذلك في سبعة فصول موزّعة بين ثلاثة أقسام رئيسية. يحمل الأول التساؤل التالي:«هل قلتم روبوت»؟ ويقدم المؤلف في هذا القسم تأريخا للإنسان الآلي مع تقديم لمحة موجزة عن آليات عمله. ويحمل القسم الثاني عنوان: «الإنسان الآلي والعصر» حيث يتحدث المؤلف عن «أنواع بصدد الظهور» ويحاول الرد على التساؤل: «إلى ماذا يتطلع الإنسان الآلي». أما القسم الثالث والأخير، فهو مكرّس للإعلان عن «بيان من أجل عصر الإنسان الآلي» ويتم التحدث فيه عن «أنواع الروبوت» و«عالم الروبوت».
وفي مختلف أقسام وفصول هذا الكتاب يحاول المؤلف أن يفتح أمام قارئه أبواب المختبرات العالمية الكبرى التي تقوم ب«إعداد» أنماط جديدة من الإنسان الآلي. هذه الأنماط سيكون لها، كما يؤكد، دور كبير في منازلنا ومدارسنا وشوارعنا وأماكن عملنا خلال السنوات العشرين القادمة». هذا وقد بدأت بعض أنواعها بالظهور و«الدخول في الخدمة» مثل الإنسان الآلي الذي يقوم بالتنظيف ومسح الغبار أو الذي يقوم بالعناية في الحدائق أو حتى ذلك الذي يقوم بمهمات أمنية.
ويجيب المؤلف على أسئلة من نوع: ما هو الإنسان الآلي الروبوت؟ وهل هو غبي أم ذكي؟ وكم عمر الإنسان الآلي؟ وهل يحترم معايير المحافظة على البيئة؟ وهل يخشى الظلام؟ إلى ما هناك من أسئلة تدور حول مستقبل عصر الإنسان الآلي.
يقول المؤلف: «إن الإنسان بعد أن اخترع الأدوات التي تستخدمها يده لزيادة مجال نشاطاتها واخترع الآلة التي ضاعفت مرّات ومرّات من قواه، ها هو اليوم يزرع ذكاءه في الأشياء». وكتاب «يعيش عصر الإنسان الآلي» يشرح فيه مؤلفه كيف ولماذا سوف يؤدي إلى تغيير حياتنا اليومية جذريا خلال العقود القادمة.
وتتمثل إحدى الأفكار المركزية في هذا الكتاب بالقول ان الإنسان، بعد أن اخترع الأداة والآلة والانترنت، هو بصدد ولوج مرحلة جديدة ،هي مرحلة الإنسان الآلي. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن هذه المرحلة ستغيّر حياة البشرية، كما فعلت «الآلة البخارية» في سياق اختراعها تاريخيا.
ويرى المؤلف أن الإنسان الآلي سيستجيب لمطلب حيوي في سياق شيخوخة السكان، خاصة في البلدان المتقدمة، إذ سوف يستطيع المعنيون البقاء في المنزل وسيهتم الإنسان الآلي بالرعاية الطبيّة وبالحراسة، بل وسوف يكون بمقدوره القيام بمهمة «الإنذار» إذا استجدّ خطر ما.
كما سيقوم الإنسان الآلي بمهمة أساسية تتعلق باقتصاد كبير للطاقة عبر «إدارته» لعملية الاستهلاك المنزلي. وفي ميدان النقل يتم التوجّه حاليا نحو العربات التي تسير بطريقة آلية ودون سائق. كما يمثّل ميدان التعليم سوقا هائلة يقوم فيها «الإنسان الآلي» بوسيلة إيضاح و«مساعدة» هائلة للمدرّسين.
هذه الأمور كلها، يراها المؤلف حاضرا للإنسان. إذ يوجد مثلا في مطار «هيثرو» بلندن عربة تسير دون سائق، مثلما هو الحال بالنسبة للمترو. وينقل المؤلف مشاهدة له من كوريا حيث كان «الإنسان الآلي» يقوم بمساعدة المدرّسين أثناء إلقاء الدروس. هذا دون الحديث عن «البشر الآليين» الذين يقومون بالخدمات المنزلية.
ما يؤكده المؤلف أن جميع النشاطات الإنسانية سوف يدخلها الإنسان الآلي، مثلما كان الإعلام الإلكتروني وشبكات الانترنت قد دخل إليها، والمدة التي يحددها لذلك هي العقدان القادمان.
ويتمثل أحد المواضيع الأساسية التي يطرحها لها المؤلف في معالجة مسألة «نزع الصبغة الإنسانية» عن المجتمعات التي سوف «يقتحمها» الإنسان الآلي. والفكرة الرئيسية التي يطوّرها المؤلف هي قوله ان «العكس» هو الذي سوف يحصل. ذلك أن الإنسان الآلي سوف يقوم بالعديد من الأعمال الصعبة الشاقة وبالتالي سوف يبقى لدى الإنسان «وقت حرّ أطول» للتمتع بفراغه.
هكذا مثلا سيكون بمقدور الإنسان الآلي أن يقوم بعملية «تشخيص أولي» بحيث سيكون لدى الطبيب وقت أطول للحديث مع مريضه. كذلك سيكون لدى الطاعنين في السن مزيد من الوقت لممارسة «علاقاتهم الإنسانية».
حيث «سيتدخّل» الإنسان الآلي لمساعدتهم في نزول وصعود درجات السلّم وتحضير الأدوية وفي نشاطاتهم اليومية. في المحصلة يؤكّد المؤلف أن «عصر الإنسان الآلي» سيعرف نوعا من «التحوّل» في العلاقات الإنسانية.
بالمقابل قد يؤدي تعميم «الإنسان الآلي» إلى فقدان الكثير من فرص العمل في مجال الخدمة المنزلية والسائقين. ظاهرة البطالة هذه تحاكي تلك التي ترتبت على ثورة المعلوماتية. لكن بالمقابل سيتم «فتح الباب» أمام مهن أخرى. لكن المهم بالنسبة للبلدان الغربية، يحدده المؤلف في أن لا تترك «احتكار» إنتاج البشر الآليين - الروبوت- للكوريين واليابانيين والصينيين.
ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب أنه سهل ومفهوم، بل وممتع، وخاصة مفيد من أجل فهم «مسيرة الإنسان الآلي» الزاحفة.
الكتاب: يعيش عصر الإنسان الآلي «الروبوت»
تأليف: برونو بونيل
الناشر: جان كلود لاتيس باريس 2010
الصفحات: 297 صفحة
القطع: المتوسط
Viva la robolution
Bruno Bonnell
Jean-Claude Lattes Paris 2010
. p

