«إعادة صياغة النظام العالمي»، هذا هو عنوان كتاب الباحث الإيطالي نيكولا كازاريني المختص بالعلاقات الدولية. وهو يبحث فيه تحديدا «تطور العلاقات بين أوروبا والصين وتداعياتها بالنسبة لشرق آسيا والولايات المتحدة»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.

بعد انهيار جدار برلين وسقوط المعسكر الشيوعي ونهاية الاستقطاب الثنائي الدولي توطّدت العلاقات أكثر فأكثر، وبإيقاع متسارع بين الاتحاد الأوروبي والصين «الصاعدة» في جميع الميادين. هذا ما يشير له المؤلف في مقدمته كي يخرج منه بنتيجة مفادها أن مثل هذه العلاقات التي كانت ذات أهمية هامشية في الماضي القريب أصبحت اليوم مسألة ذات أهمية إستراتيجية عالمية.والمؤلف يقترح على مدى فصول هذا الكتاب دراسة لتطوّر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين خلال العقدين الأخيرين في الميادين الاقتصادية والتكنولوجية. هذا بالنسبة للولايات المتحدة ولحلفائها في شرق آسيا وعلى رأسهم اليابان.

ذاك أن جوانب من هذه العلاقات الأوروبية-الصينية يخص التكنولوجيات المتقدمة والمسائل الأمنية المرتبطة «حكما» بالتعاون على صعيد الأقمار الصناعية وتحويل التكنولوجيات المتقدمة ومبيعات الأسلحة بما في ذلك احتمال «رفع الحظر الأوروبي» عن بيعها للصين.

ويقوم المؤلف بتحليل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين في سياق تطوّر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، من جهة، وتطوّر المفاهيم الأمنية لدى القوى الصينية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان من جهة أخرى. ومن خلال هذا المنظور «المزدوج» يحاول المؤلف تبيين الأهمية العالمية «المكتسبة» للعلاقات الأوروبية والصينية.

وكذلك محاولة شرح المسائل المتعلقة بمعرفة إذا كانت هذه العلاقة ستساعد في «إطارها الجديد» على جعل الاتحاد الأوروبي «عاملا إستراتيجيا جديدا» في شرق آسيا.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية. يخص القسم الأول تطوّر العلاقات الأوروبية-الصينية منذ نهاية حقبة الحرب الباردة. ويدرس الثاني بقدر أكبر من التفصيل مختلف مقاربات البلدان الأوروبية للمسائل المتعلقة ببحث الصين عن الوصول إلى حيازة التكنولوجيات الغربية في منظور تثبيت مسار صعودها وموقعها على المسرح الدولي.

وتتم في هذا الإطار دراسة خلفية الاتفاقيات الموقعة بين أوروبا والصين في مجال القضاء والأمن والسلاح. أما القسم الثالث والأخير فإنه مكرّس لتداعيات هذه العلاقات في السياق الراهن ومنظوراتها المستقبلية بالنسبة للنظام العالمي.

ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب التأكيد أن الاتحاد الأوروبي يكتفي في الإطار الحالي للعلاقة مع الصين بتحديد عدد من «المعايير» و«القيم العامة» تدون تحديد أية سياسة متناسقة مشتركة لبلدانه حيال الصين. وهذا كله على خلفية «أمل بهم» بأن يؤدي تدعيم العلاقات التجارية مع الصين إلى دفعها لتغيير جذري في نهجها وسياساتها.

ويشير نيكولا كازاريني إلى أن نقطة الخلاف الرئيسي في هذا الإطار التجاري، المتمثل في عدم اعتراف الاتحاد الأوروبي بالصين كدولة تنتمي إلى «اقتصاد السوق»، وهذا يفتح المجال أمام اتخاذ إجراءات «ردعية» ضدها إذا دعت الضرورة إلى ذلك. أما الصين فإنها تنظر من جهتها إلى الرفض الأوروبي للاعتراف بها كـ «اقتصاد سوق» على أنه «تمييز» غير مقبول على الصعيد التجاري.

وفي معرض شرح المؤلف لإستراتيجيات دول الاتحاد الأوروبي حيال الصين يحدد القول أن فرنسا وألمانيا يبحثان بالأحرى عن إبرام عقود، وكذلك الأمر تقريبا بالنسبة لبريطانيا بينما تريد إيطاليا «المزج» بين السياسة والبزنس. تتم الإشارة هنا إلى أن الصين تجيد كذلك فنّ الخلط بين السياسة والبزنس من أجل الحصول على تنازلات في الميدان التكنولوجي.

إن واقع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين تتم ترجمته في السياق الحالي بالمعادلة التالية: إن الصين تنطلق من مكانتها كـ «ورشة العالم» كي تتقن غدا التكنولوجيات المتقدمة.

أما أدواتها في ذلك فليست اللجوء إلى التهديد والقوة والعسكر والصواريخ، ولكن بالأحرى إلى العقود التجارية والشراكات الاقتصادية والاستثمارات الصينية في الخارج.

والهدف هو واحد بكل الحالات ويتمثل في الحصول على التكنولوجيات الجديدة، الأوروبية منها والأميركية. وهدف إستراتيجي آخر تسعى إليه الصين وهو حصولها على المواد الأولية التي هي بحاجة ماسة إليها بهذا المعنى ليس لدى الصين إستراتيجية واحدة.

ولكن مجموعة من الإستراتيجيات المتكاملة، بعضها يستهدف أوروبا والولايات المتحدة لهدف «تكنولوجي» وبعضها الآخر يستهدف أوروبا والولايات المتحدة لهدف «تكنولوجي» وبعضها الآخر يستهدف البلدان الصاعدة والبلدان «الأقل تقدما» في إفريقيا وغيرها والهدف هو «التزود بالمواد الأولية». وهذا ما يسعى المؤلف أنه يذكّر بعمليات «النهب الاستعماري» في القرن التاسع عشر.

وهذا الكتاب يشكل في عمقه مساهمة في النقاشات القائمة حاليا حول النظام العالمي الجديد، بما في ذلك النقاشات الخاصة برؤية أصحاب القرار الصينيين والأوروبيين لما ينبغي أن يكون عليه النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، ومحاولة لتقييم دور كل طرف. وهذا كله في منظور السعي لزيادة هامش الاستقلال الذاتي لهما في محيط دولي يتسم بهيمنة الولايات المتحدة.

الكتاب: إعادة صياغة النظام العالمي

تأليف: نيكولا كازاريني

الناشر: جامعة اكسفورد 2009

الصفحات: 248 صفحة

القطع: المتوسط

Remaking global order

Nicola Casarini

Oxford University Press- 2009

p