بعد أن قدمت كارول سميث روزنبرغ، الأستاذة في جامعة ميشيغان، عدّة أعمال حول تطور المجتمع الأميركي، وخاصة ما يتعلق بحقوق المرأة، تكرّس كتابها الجديد «هذه الامبراطورية العنيفة» للبحث في أصول العنف الأميركي ومظاهر العنصرية التي برزت في العديد من اللحظات «المفصلية» في تاريخ الولايات المتحدة خلال الفترات التأسيسية في حياة هذه «الأمة الجديدة».

وترى مؤلفة هذا الكتاب أن «العنف الأميركي» بمختلف مظاهره قاد إلى الإحساس العميق خلال بدايات تكوّن الأمة الأميركية بنوع من «عدم الاستقرار» في البدايات بخصوص مسألة «الانتماء الوطني» و«وعي الذات» الأميركية. من هنا اختارت كارول سميث روزنبرغ عنواناً فرعياً لكتابها يخص بالتحديد «ولادة الهوية الوطنية الأميركية».ومن خلال الجمع بين التحليلات الثقافية والتحليلات السياسية تحاول المؤلفة صياغة رواية جديدة للتاريخ الأميركي. هكذا تعود إلى دراسة المراحل التي شهدت ولادة الولايات المتحدة وتنقّب في مختلف الآراء والأفكار التي طرحها الآباء المؤسسون. وتخرج من هذا كله بالقول إن غياب التاريخ المشترك والبنى الأساسية التي تحكم علاقات الجميع والثقافة الجامعة وغير هذا مما يعزز ويقوّي الإحساس بالانتماء الوطني، برزت مسألة التباين بين الأميركيين ذوي الأصول الأوروبية «المؤسسين» وبين سلسلة من المجموعات التي تضعها المؤلفة تحت عنوان عريض هو «الآخرون».

ومن خلال القيام بدراسة دقيقة للواقع الثقافي الأميركي في المراحل الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، كما جرى التعبير عنه في الصحف والمجلات المتنوعة المشارب والاهتمامات والروايات، تبيّن المؤلفة أن أولئك «الآخرين» رفضوا واقع التهميش الذي جرى دفعهم نحوه، كما تدل نصوص عديدة.

في الوقت نفسه يتم التركيز على القول بوجود «مفارقة أميركية حقيقية» لبلاد تؤكد من جهة على «تنوعها الكبير»، بواقع أنها «أمة من المهاجرين» بطبيعتها، ولكنها تقوم من جهة أخرى، بتهميش عدد من «المجموعات الخاصة»، بل وتستبعدها من مجال الفعل السياسي والاجتماعي، علماً أنها أحد المكونات الأساسية لمفهوم «التنوع».

إن «الحجة الأساسية التي تعتمد المؤلفة عليها للتأكيد على حقيقة «الولادة العسيرة» للهوية الوطنية الأميركية تتمثل في القول بفشل المحاولات التي تمت في الحقبة «ما بعد الثورية»، أي ما بعد ما يسمّى الثورة الأميركية والانتهاء من الاستعمار البريطاني لبناء «هوية أميركية» واحدة تجمع الكل على أساس المواطنة. لقد استهدفت تلك المحاولات إرساء أسس «هوية» على قاعدة مبادئ المساواة وعلى «المزج» بين «القيم الجمهورية» على صعيد السياسة و«الرأسمالية التجارية البورجوازية» على صعيد الاقتصاد.

لكن لم يتجسّد ذلك المشروع في أرض الواقع الأميركي، ذلك أن الانقسامات الثقافية والاقتصادية وأشكال التمييز العنصري والجنسي، بين الجنسين، كانت جذورها أكثر عمقا وأكثر فعلا في المجتمع الأميركي آنذاك، كما تشرح المؤلفة.

وتذهب المؤلفة إلى أبعد من القول بوجود نوع من «الغموض» في الهوية الأميركية بمراحلها الأولى، التأسيسية. وعلى سؤال مثل: من هو الأميركي، هذا الإنسان الجديد؟ تجيب بوضوح أنه إنسان «مشتت» تماما في امبراطورية العنف هذه، أي الولايات المتحدة الأميركية.

ومن خلال عرض خلفيات رغبات الأميركيين ومصادر خوفهم وخشيتهم تؤكد المؤلفة أن أية محاولة حقيقية لفهم الأمة الأميركية الجديدة لا يمكنها أن تهمل أو تتجاهل البناء الثقافي العميق «المثير للجدل» للإنسان الأميركي الجديد.

وتشكل تحليلات هذا الكتاب، بأحد وجوهها المهمة، بحثاً في «الفترة الجنينية»، فترة تكوّن نوع من «المعضلة التاريخية»، ذلك أن التنوّع الذي تتغنّى فيه الولايات المتحدة أمام العالم يتعارض بقوّة غالبا، مع التأكيد المفرط على الوحدة «المرتكزة» حول إرث الآباء المؤسسين، رغم كل ما عرفه من أشكال تهميش «الآخرين».

هذا ما تؤكد عليه المؤلفة عبر دراسة الأوضاع الاجتماعية والمادية والثقافية التي صيغت على أساسها صورة هوية أميركية موحّدة في الأدبيات والفنون الأميركية المتنوعة في بدايات تأسس الأمة الأميركية.

ومن الواضح أن مؤلفة هذا الكتاب تبتعد في عملها عن المبالغة المعهودة في تمجيد إرث الآباء المؤسسين الأميركيين وما يتميّزون فيه من مظاهر العظمة ومحبّة الآخرين والنبل. إنها تركّز بالمقابل على دراسة الأدوار الجوهرية التي لعبتها «العنصرية والحقد على الآخر واضطهاد النساء ومذابح الإبادة» في التكوّن السياسي للولايات المتحدة وفي تشكّل هويتها.

كذلك تقوم المؤلفة بنوع من قراءة الحاضر على ضوء الماضي بخصوص الإجابات التي تقدمها أميركا اليوم ضد المهاجرين والإرهابيين المزعومين. تكتب: «هل هذه لحظة فريدة في تاريخ الولايات المتحدة؟ بالقطع كلاّ. والخوف من هجمات الآخرين وضرورة العنف الرامي إلى استبعادهم باعتبارهم خطيرين يمثل، أي الخوف، عنصراً مهماً بالنسبة للولايات المتحدة».

وتقوم المؤلفة بالتشبيه بين ممارسات فرض الهوية الوطنية في سنوات السبعينات من القرن الثامن عشر في أميركا وبين ممارسات الناتور «جوزيف مكارثي، المعروفة بالمكارثية ضد الأميركيين المتهمين بالتعاطف مع الشيوعية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين. وحيال الحالتين تقول إن «العمل على الحط من شأن الآخرين يُمثل أميركا حقيقة».

وقراءة جديدة ل«التراث الخيالي عن الشجاعة وحب الحرية» لبدايات الولايات المتحدة التي عاشت في الحقيقة مشاعر التهديد من قبل «آخرين» أرادت «استبعادهم» أو على الأقل «تدجينهم». والنتيجة؟ «هوية وطنية ؟ أميركية- لم تتصالح تماما في أي يوم مع نفسها».

الكتاب: هذه الامبراطورية العنيفة

تأليف: كارول سميث روزنبرغ

الناشر: جامعة كارولينا الشمالية 2010

الصفحات: 512 صفحة

القطع: المتوسط

This violent empire

Carroll Smith Rosenberg

University of North 0102 - aniloraC

p. 512