ظهرت أميركا بعد نهاية الحرب الباردة التي استمرت عدة عقود بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي وكأنها القوة العظمى الوحيدة في العالم. وبدت من القوة والهيمنة أن البعض قارنوا بينها وبين روما القديمة في أوج قوتها. لكن الباحث فاكلاف سميل يطرح في كتابه الأخير السؤال التالي: «لماذا أميركا ليست روما جديدة»؟ وهذا السؤال هو أيضا عنوان الكتاب.
ويبدأ المؤلف بالإشارة إلى أن مثل هذه المقارنة فقدت الكثير من مضمونها بعد الحرب الطويلة التي تخوضها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان دون القدرة على حسمهما. وكذلك بعد الأزمة الاقتصادية التي نشبت منذ خريف عام 2008 والتي هي الأكبر منذ الكساد الكبير الذي عرفه عام 1929. الإمبراطورية الأميركية تعاني إذن من قدر كبير من عدم الفعالية، هذا إذا لم يكن من التقهقر.وفي هذا الكتاب يشرح المؤلف «لماذا أميركا ليست روما جديدة». وهو يذهب في واقع الأمر إلى ما هو أبعد من المقارنات «السطحية» التي تتردد في الصحف والمجلات. إنه يبيّن «مواطن الاختلاف» العميقة بين أميركا اليوم وروما القديمة. ويرى أنه إذا كانت هناك نقاط تشابه «على السطح» بين الحالتين فإن هناك فروقا جوهرية حول أربعة مسائل جوهرية تتمحور حولها تحليلات هذا العمل.
هذه المسائل ـ المحاور تتمثل في معنى الإمبراطورية نفسه ومدلولاتها، وفي مدى وطبيعة السلطة في روما القديمة وفي أميركا الحالية، وفي دور المعرفة والتجديد في الدولتين، وأخيرا في أهمية الآلات ومصادر الطاقة والاقتصاد والواقع السكاني الديمغرافي. ومن خلال مناقشة هذه المسائل كلها يعيد المؤلف رسم المسارين التاريخيين في منظور المقارنة بينهما.
ولا يتردد المؤلف في القول إنه من «الاستسهال كثيرا» القول إن الولايات المتحدة اليوم هي «شبيهة» بروما القديمة. كذلك لا يتردد في القول إن مثل هذه المقارنة «ينقصها التأمل العميق» فالتشبيه «خادع» بل و«خارج سياق التفكير الجدّي». وبعد وصف المقارنات المقدّمة أنها «ذكيّة» أحيانا يتم التأكيد أن التدقيق المعمّق يبيّن «هشاشة» مضمونها.
هذا إلى جانب التأكيد أن أوجه الشبه «المزعوم» تقوم على أساس مجموعة من المظاهر «الانتقائية» التي تشير إلى النزوع الكوني - يونيفرسال - في حالة روما القديمة وأميركا الحديثة.
وكان قد جرى «تشجيع» إطلاق صفات إمبراطورية عديدة على الولايات المتحدة بعد انهيار القوة العظمى الأخيرة التي كان يمثلها الاتحاد السوفييتي السابق. وهناك سمة أخرى يتم التأكيد في سياق القول بالتشابه بين روما القديمة، وأميركا اليوم وهي أن القوتين أرادتا نشر مظاهر قوتهما وسيطرتهما خارج حدودهما الجغرافية.
لكن هذه أيضا ليست خصوصية يتفردان بها، كما تقول التحليلات المقدمة، إذ تواجدت نفس «الإرادة» لدى المغول ولدى الصين في زمن سلالة كينغ ولدى نابليون وهتلر. هكذا إذن ظهرت مشاريع التوسع قبل روما وأميركا.
و«الفساد» ليس سمة تتفرد بها أميركا اليوم وروما القديمة، إذ كان هناك قدر كبير من التشابه يمكن إيجاده لدى عدد من الدول الحديثة أو القديمة. وحالات «قصر النظر» للعالم ليست سمة لدى «روما» وحدها وليست حصرا بأميركا اليوم.
والاتحاد الأوروبي في نظرته «المحدودة» و«القلقة» لحدوده ليس أكثر تبصّرا ودقّة في النظرة إلى العالم. وهناك من يقول إن التشابه بين روما القديمة وأميركا الحالية يأتي من كون أن القوتين تفردتا بأخذ قرارات زادت من «تعقيد» الكثير من المشاكل بدلا من إيجاد الحلول لها. مثل هذه الحجة تدل على ظاهرة كونية ويمكن القول بها حيال جميع القرارات الخاصة بمسائل كبرى لها بالضرورة تداعياتها. ثم إن جميع الخيارات الجوهرية تنطبق عليها نفس القاعدة.
ومن خلال عمليات المقارنة وعرض الحجج القائلة بالتشابه بين روما القديمة وأميركا الحالية وتفنيدها، يصل المؤلف إلى نتيجة أساسية مفادها أن وجه التشابه الأكثر بروزا والأكثر وضوحا بين الحالتين يتمثل في قدراتهما «المبالغ بها» ضمن سياق عصريهما.
أما في جميع المظاهر الأخرى، فإن التحليلات المقدّمة تؤكد على أنهما تمثلان «عالمين مختلفين بعمق» في واقع الأمر. إن أميركا لم تشكل، برأي المؤلف، إمبراطورية في أي يوم من الأيام، بل إنها لم تنتهج أبدا سياسة يمكن وصفها ب«الإمبريالية». أما هيمنتها على الصعيد العالمي فهي من «نوع خاص». ذلك أنها «أقل فاعلية» و«أكثر هشاشة مما يسود الاعتقاد».أما روما القديمة فلم تكن تمتلك أي «فضول» على صعيد التقنيات والتجديد.
هذا ليس بالمقارنة مع أميركا الحالية فحسب، ولكن أيضا مع الصين في ظل سلالة «الهان». ثم إن أميركا التي تميّزت على صعيد الاختراع والتجديد التقني خلال القرن العشرين تستهلك ضعفي ما تستهلكه اليابان أو الاتحاد الأوروبي من الطاقة وخمسة أضعاف ما يمثل متوسط الاستهلاك العالمي بينما استهلاك روما من الطاقة لم يكن أكثر من الهند أو الصين.
النتيجة التي يتوصل إليها فاكلان سميل من تحليلاته مفادها أن المقارنات بين روما الإمبريالية وأميركا الحديثة يمكن أن تظهر بعض «التوازي» المترتب على ما تفرضه أنماط السلوك الإنساني وآلية عمل المجتمعات. لكنها، أي المقارنات، تكشف عن «عالمين لا يمكن المقارنة بينهما».
الكتاب: لماذا أميركا ليست روما جديدة ؟
تأليف: معهد مازاشوزتا التكنولوجي 2010
الصفحات: 232 صفحة
القطع: المتوسط
Why America is not
a new Rome
Vaclan Smil
MIT Press- 2010
. p 232

