لا يحاول المؤلف في هذا الكتاب، أن يطلق صيحات التحذير التي يطلقها عادة أولئك الذين يخشون التغيير، لكنه يحدد مصدر خوفه وقلقه في الخوف على منجزات عصر التنوير التي يراها تترنح، فهو قلق مولع بالحرية التي كان يعتقد أنها في طريق انتشارها عبر العالم كله.

حيث إن البشرية في مرحلة تطورها الراهنة، كما يراها، تواجه أخطاراً لا مثيل لها في التاريخ، وهي تتطلب حلولاً شاملة مبتكرة بعد أن وصل اختلال العالم إلى طور متقدم.

ويتناول معلوف طبيعة وحيثيات هذه القضية التي يطرحها (اختلال العالم)، عبر مقدمة مكثفة وأربعة فصول. ويتحدث في الفصل الأول منها عن الانتصارات الكاذبة بعد سقوط جدار برلين وزوال شبح المجابهة النووية بين الغرب والاتحاد السوفييتي، وتعزز الأمل بانتشار الديمقراطية في العالم.

والمثل الأول الذي يقدمه مقابل تفكك الاتحاد السوفييتي، هو الاتحاد الأوروبي الذي أدرك أهمية الاتحاد، لكنه لم يعد يعرف إلى أين يمضي، ما يدل على حالة الضياع. ولكن إذا كان الفشل قد يتبدى منقذاً كما في انتصار الغرب الاستراتيجي الذي كان من شأنه أن يعزز تفوقه، فإنه قد عجَّل في انحداره كذلك، لأن انتصار الرأسمالية قد أدخلها في أسوأ أزمة عرفتها، في حين أن هزيمة الاتحاد السوفييتي كنظام قمعي، قد أدت إلى تراجع النقاش الديمقراطي في العالم.

ومن التبدلات المثيرة التي شهدتها الحقبة الجديدة أن الانشطارات التي كانت سائدة في القرن الماضي، كانت أيديولوجية الطابع، في حين أنها اتخذت في الوقت الراهن طابع الهويات الصغيرة التي برزت، إضافة إلى أن التعايش بين مختلف الجماعات البشرية أصبح يزداد صعوبة.

وبذا فإن إفرازات هذا الوضع العالمي، كما يراها معلوف، تتبدى أكثر فداحة على مستوى المحيط الثقافي العربي والإسلامي، والذي اكتسبت فيه الأصولية الدينية ظهوراً قوياً وواسعاً، بعد أن انتهت مرحلة الكفاح الوطني والأحلام القومية الكبيرة إلى فشل ذريع.

وفي الوقت الذي يعلن فيه ابتعاده عن الخطاب الغربي والخطاب العربي ـ الإسلامي المضاد، يكشف المؤلف عن الأسباب التي تدفعه في كلا الخطابين إلى النأي بنفسه عنهما، إضافة إلى تحليل الأسباب التي تجعلهما كذلك، سواء من حيث الشعور بفقدان المكانة بين الأمم وعدم القدرة على استعادتها عند العرب والمسلمين، أو اضطلاع الغرب بدور عالمي مبالغ فيه، فصاروا عاجزين حتى عن المضي في ممارسته.

أما على صعيد السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد سقوط جدار برلين، فيرى المؤلف أن ثمة مفارقة تحكم وضعها، وهي تظهر في محاولة القوة العسكرية عبر تدخلاتها وحروبها الكثيرة التي شنتها، التعويض عن وضع الانحدار الذي كان يشهده الاقتصاد الأميركي على المستوى العالمي.

وفي قراءته للدور الأوربي يؤكد المؤلف أن الخطيئة الأوروبية لم تكن في محاولتها فرض قيمها على العالم إبان حقبة الاستعمار، بل في تخليها عن احترام قيمها في علاقاتها مع الشعوب المغلوبة، وذلك لأن البشرية واحدة، ومن الخطأ المساومة على المبادئ الجوهرية تحت أي ذريعة كانت.

ويتناول بالتحليل التحولات المتسارعة التي شهدها العالم على صعيد وسائل الاتصال، مبيناً أن الجميع لا يستعملون الأدوات المتوافرة منها بطريقة واحدة، ولا يسعى الجميع إلى تكوين رأي توازن، خاصة أن ثمة حالة فكرية واسعة الانتشار داخل كل الأمم تجعل قلة صغيرة تحس بالرغبة في معرفة ما يقوله الآخرون.

ما يجعل تلك الأدوات العصرية التي كان يمكن لها أن تشجع التداخل والتناغم بين الثقافات، تغدو وسيلة للتعبئة ضد ما يسميه معلوف بالقبائل العالمية، بسبب انتشاره في مرحلة تشهد انفلاتاً للهويات من عقالها.

ويبيِّن المؤلف أن الشرعية هي التي تتيح للشعوب وللأفراد أن يقبلوا، دون إكراه، سلطة مؤسسة ما يجسدها أشخاص وتعتبر حاملة لقيم مشتركة، ثم يتطرق لقضية الشرعية في العالم العربي.

ومنها ينتقل للحديث عن اختلال الشرعية على مستوى العالم من خلال دور الولايات المتحدة الأميركية التي تعد المستفيدة من الاختلال في الإدارة السياسية لشؤون العالم، بعد أن جعلها خروجها من الحرب الباردة منتصرة تكتسب موقع الدولة العظمى الوحيدة في العالم.

كما يتناول معلوف قضية المنحدرين من ثقافات مختلفة في المجتمعات الغربية، حيث يسود الارتياب المتبادل علاقات الطرفين، ما يستدعي الانفتاح على الآخر والتعايش المدروس، ورفض المقولة الأحادية التي نفسر بها التاريخ، كمقولة صدام الحضارات.

وفي الختام يرى أن المطلوب ليس إقامة نمط جديد من الأداء الاقتصادي والمالي ونظام جديد للعلاقات الدولية، ولا تصحيح الاختلالات القائمة، بل غرس رؤية مغايرة للسياسة والاقتصاد والعمل والاستهلاك والعلم والتقدم والهوية والدين والتاريخ، أي إيجاد مفهوم جديد للعالم، يسمح بإبعاد خطر القهر الذي يلوح في الأفق.

الكتاب: اختلال العالم

تأليف: أمين معلوف

الناشر: دار الفارابي ـ بيروت 2009

الصفحات: 312 صفحة

القطع: المتوسط

مفيد نجم