يوضح الباحث والمفكر برهان غليون، في مضمون هذا الكتاب - الحوار، أنه لا نخبة معافاة في أي مجتمع، وخصوصاً العربي، إلا بشرطين، وهما الاستقلال المالي والنظافة القيمية والأخلاقية، وتكوين وعي بالمسؤولية تجاه المجتمع والرأي العام، ليكون أفرادها فاعلين اجتماعياً، وإلا فقدت هذه النخبة المبادرة.

وحول مسألة الديمقراطية، يدعو غليون إلى تربية الأفراد الأحرار والمسؤولين، لافتاً إلى أن التربية هي غير التدجين والتلقين، فالتربية تتم على أساس العدالة والمساواة وإلا أصبحت الصناديق محصلة لأصوات طائفية وعشائرية تربي الاستبداد الذي يعتاش على الفساد السياسي والقيم المكرسة للولاء وعبادة السلطان، ولا تغيير إلا من خارج النظام، فالمعارضة ضرورية. وكل نظام يستميت في الدفاع عن مكاسبه والحفاظ على بقائه. ويرى غليون أن الدول العربية لن تنجح في معركة الحداثة إلا بتحويل الجماعة إلى شعب. أما في ما يخص علاقة الدين بالاستبداد، فيرى أن النخبة العربية المعاصرة تغالي في ربطه بالاستبداد، ويدفع بعضهم إلى الارتباط به أو التواطؤ الضمني معه.

وليس صحيحاً أن الدين هو ثقافة العامة والعلم هو ثقافة الخاصة، فلكل منهما قيمها الدنيوية، وليس صحيحا أن الدين يربي الاستبداد، فالإسلام ليس ما نراه في التكايا الصوفية وفي الجماعات المسلحة، فباسم محاربة التطرف الديني تمّ الإشراف على وعي الأفراد ومصادرة حرياتهم الدينية وغير الدينية.. وإنّ تعلق الناس بالتراث، والدين هو احتجاج على نمط الحداثة الكاذبة، وكذلك فإن ظواهر الطغيان الديني الاجتماعي وليد غير شرعي للطغيان السياسي.

أما ما يُرى من تمييز ديني ضد المرأة فهو ليس دليلا على الاستبداد الديني الموجود، بشكل أو آخر، في كل المجتمعات، فالديمقراطية الاثنينية لم تمنع من تقنين العبودية، كما أن الاستبداد السياسي العربي اليوم لا يستمد شيئا من الدين، لا في نظام شرعنته ولا في قمعه في أجهزته، فهو نظام قائم على بث الرعب عند السكان استنادا إلى قواعد ولدت في التجربة السياسية العربية القومية والفاشية والشيوعية، مع انه يمكن أن تستند إلى الدين أو تتقوى به بين الحين أو الآخر، على صعيد الخطاب. وليس صحيحاً أن روابط الدين اقوى من روابط الدم.

ويعارض غليون بشدة إعادة إنتاج فكر التنوير، ساخراً من الفكرة القائلة إن العقلانية هي نقيض الدين (الإسلامي). أما استئصال الطائفية فيتم ببناء وعي الأفراد وإدماجهم في الحياة السياسية ونظام الدولة، أي تحويل الدولة إلى مواطنيها بدل أن تكون دولة مغتصبيها.

أما في ما يخص تراتبية العلمانية والديمقراطية وأيهما الأسبق، فيرى غليون أن العلمانية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة اجتماعية غاياتها تحقيق الديمقراطية والتي تعني قيم الحق والعدل والإنصاف والحرية والمساواة، بغض النظر عن الأصل والعقيدة والجنس.

وحتى لا نقع في خطأ استبدال الوسيلة بالغاية لا بد من تنسيب المفهوم، أي ربطه بشروط تحققه وبيان العلاقة بين الجزء والكل. ويؤكد المفكر غليون على أن استخدام العلمانية كغاية ينزع الشرعية عن الديمقراطية ويحولها إلى ذريعة للإقصاء والتهميش، ومن دون هذا التنسيب يتحول الصراع بين العلمانية والديمقراطية إلى صراع ميتافيزيقي.

فالعلمانية المطلقة تتحول إلى تعويذة سحرية وتجعل الواقع لونين هما الأسود المتدين والأبيض العلماني، كما يحول العلمانية إلى حركة تبشيرية ضد مبدأ ظلام الحركة الإسلامية، ولا معنى للعلمانية إلا بجاذبية قيم العدل والمساواة وإذا فصلت عنها لم يبق من العلمانية إلا أصلها الأجنبي، ووظيفتها كأداة للقمع السياسي والتدجيني. فمفهوم الديمقراطية اشمل من العلمانية.

ويشير غليون إلى أن عداء الرأي العام العربي للعلمانية لا يأتي من غرابة القيم التي تحملها، وإنما من بقائها أيديولوجيا ومذهباً فكرياً لجماعة اجتماعية محددة، وتحولها إلى أداة من أدوات السلطة. وينهي غليون حواره بحتمية التحول إلى قيم الديمقراطية من منطلق قربها إلى الناس، وقيم الخير والحق المفطورين عليها.

الكتاب: في النخبة والشعب

تأليف: لؤي حسين

الناشر: دار بترا دمشق 2010

الصفحات: 152صفحة

القطع: المتوسط

أحمد عمر