تعد مدينة «دريسدن» الألمانية، حاضرة إقليمية وعالمية مميزة، ويمكن أن نعتبرها باستحقاق، عاصمة العالم الفنية، حيث تضم العديد من المتاحف الفنية والتاريخية الساحرة، علاوة على غناها بالمعالم التراثية والفكرية والثقافية.
وقد ركزت هذه المدينة، أخيرا ،على إطلاق مشروعات متنوعة لإضفاء لمسات ترويج وتجديد حيوي، تكفل منح معالمها طابع وهج وتطور متلاحق، يحقق غرض التنوير والتعريف بقيمة ملامحها الفكرية الفنية. وفي هذا الإطار، احتفلت دريسدن، في الفترة الأخيرة، بإعادة افتتاح متحف «ألبرتينم»، وخصصت فيه قاعتين للرسام الألماني، ابن دريسدن، جيرهارد ريختر، الذي حققت أعماله أعلى أسعار لأعمال فنية لا يزال صاحبها على قيد الحياة. تراكمت الأعمال الفنية في دريسدن منذ بدأ عهد احد الملوك الساكسونيين، وذلك قبل ثلاثمئة عام، وهو «ألبرت»، إذ انكب على اقتناء الأعمال الفنية الغربية والشرقية، بشغف شديد، حتى باتت هذه المدينة.
وبفضل ولعه بالفن، تمتلك من كل بستان فني زهرة، ومنها بعض أعمال أدغر ديغلس، والتي تعود حاليا بوهج ملفت ورونق بديع، مع إعادة إحياء متحف ألبرتينم مجددا، ومعها أيضا مجموعة فنية راقية من الأعمال النحتية لأوجسته رودين. روض الفن وأهله معروف تاريخيا أن دريسدن احتضنت بعض عمالقة الفن الحديث، الذين أقاموا فيها، فأبدعوا أجمل اللوحات والمنحوتات، أمثال ريختر (78 عاما)، والذي يعيش حاليا في مدينة كولونيا النائية. وقد كان ريختر أحد من وافقوا على المساهمة بحملة جمع تبرعات دعت إليها دريسدن قبل ثمانية أعوام، وطلبت من 46 فنانا على قيد الحياة، أن يشاركوا فيها.
ويتمثل هدف الحملة في إطلاق مشروع عمليات ترميم «البرتينم»، الذي يعرض مقتنيات فنية منذ القرن التاسع عشر ولغاية القرن الحادي والعشرين. قصة الموات والتجدد إن طابع التجديد والتطوير في المتحف سيزيل فترة من الإهمال والضرر الذي تعرض لهما، حيث كان المتحف قد تعرض للدمار بفعل فيضان عات أغرق ضفاف نهر «إلبه»، في شهر أغسطس من العام 2002، إذ أقيم مزاد خيري بعد الفيضان بثلاثة أشهر، فنجح المزاد في جمع مبلغ 4,3 ملايين يورو (4,2 مليون دولار)، سعيا لتجديد مبنى المتحف، ليتم الاحتفال بالافتتاح الكبير للمتحف.
وهكذا فإنه، ربما كان لذلك الفيضان أثر إيجابي في نهاية المطاف، حيث نبه العالم إلى تلك التحف الفنية التي لا تقدر في بثمن والمختبئة قصور دريسدن، المطلة على ضفاف النهر.
وغالبا ما أصيب السائحون بخيبة أمل بالغة بعد الفيضان لمرأى أبواب معرض «قاعة الأساتذة الكبار» مغلقة، والمجموعة النحتية التي يمتد تاريخها على مدار خمسة آلاف عام، مكدسة خلف أبواب قصر «زوينجر» القريب منه. وقد استغرقت عمليات ترميم ألبرتينم، الذي يضم هذين المتحفين، وقتا وكلفة أكبر من المتوقع.
حمل المتحف اسم ملك ساكسوني وهو «ألبرت»، والذي بناه خلال الفترة 1884 1887، ليمثل تجسيدا حيا للرفاهية في موقع ترسانة قديمة، وحشد فيه اللوحات الفنية المعبرة عن مرحلة ما بعد الرومانسية، والتي تحمل اسم «الأساتذة الجدد».
واللافت أن التجديدات التي كلفت 51 مليون يورو في المتحف، أضافت عليه متحفا للفن المعاصر وورشة ترميم فني هائلة يبلغ ارتفاعها إلى حدود السقف، علاوة على مركز تخزين، وكذلك فإن المتحف مرتفع بما يكفي لإبقاء اللوحات مرتفعة وجافة، لتكون بمنأى عن أي كوارث جديدة يمنى بها نهر إلبه المجاور له.
الخزف والجواهر
كما قد يبدو وجود كل هذه الثروة الفنية بقرب نهر متقلب المزاج، أمرا أخرق، غير أن الناس في دريسدن يعتبرون الفيضان، قضاء إلهيا مخففا، واعتادوا الانتقال للعيش في طوابق أعلى، عند اقتراب الفيضان.
الثابت هو أن سحر مدينة دريسدن، ينبع فعليا من القدرة على عرض الخزف والجواهر النفيسة والأعمال الفنية القديمة والفنون الشرقية، وذلك بشكل مجتمع، لتتركز على ضفاف الماء في القصر الملكي القديم بـ «زوينجر وسيمبرباو»، ومتاحف أخرى. ولقد جاء ريختر ـ الفنان الأشهر بين مجموعة الفنانين الذين قضوا معظم مرحلة التكوين الفني خلال المجتمع الشيوعي ـ جاء إلى دريسدن كي يشرف بنفسه على تنسيق قاعتيه، ومتابعة وضع بعض اللمسات الفنية.
جرت العادة أن يبيع هواة اقتناء الأعمال الفنية لبعضهم البعض، أعمال ريختر، والتي يصل سعر اللوحة الواحدة منها إلى عشرة ملايين دولار، أو أكثر، وحتى أن بعضها بلغ سعره أربعة عشر مليون دولار ـ بيعت في صالة كريستي للمزادات بلندن العام 2008، وهو ما منحه لقب «أغلى فنان تباع لوحاته وهو على قيد الحياة».
«سفينة نوح»
ويتوقع القائمون على تجديد المتحف، أن يحدث إجراء السماح للزوار، باستكشاف منطقة تخزين الأعمال النحتية فيه، أثرا كبيرا جدا، حيث تحتشد التماثيل التي يتعذر عرضها بشكل ملائم، في مساحة أشبه بمحل تجاري، خصوصا وان هذا الأمر يحظر عادة على الزوار، في مختلف متاحف العالم، ما يؤدي إلى ذهاب وخفوت بريق بهاء تلك التحف المخزنة في غياهب النسيان، دون أن يتمتع برؤيتها أحد.
ولا بد من الإشارة إلى أنه يتمثل أكبر تغيير شهده هذا المبنى الأثري، في مشروع التخزين المعلق، والذي أطلق عليه «سفينة نوح».
يوجد في الهيكل المعدني في مبنى المتحف، الذي صممه مهندس معماري من برلين، يدعى فولكرستاب، حيز يكفي لتخزين ستة آلاف لوحة فنية من مقتنيات دريسدن، يفيد في حمايتها كلما حل موعد الفيضان. وذلك المخزن معلق مباشرة فوق باحة كانت مفتوحة في الماضي، تنفذ إليها بعض أشعة الشمس في النهار، عبر شقوق عند الحواف.
دريسدن ـ البيان



