بعد أربع دورات متتالية يبدو مهرجان دبي لمسرح الشباب، منصة تفاؤل وأمل لعشرات من هواة المسرح من جيل الشباب في الإمارات، مواطنين وعرب مقيمين.
وإذا كانت الدورة الأولى، بداية الانطلاقة، قد اعتمدت على المشرفين والمدربين والنصوص الجاهزة التي سبق تقديمها، فإن ما تلاها من دورات فرضت على المبدعين الشباب أن ينتقلوا إلى مرحلة انتقاء النصوص والاشتغال على أفكارها باستقلالية تامة، لهذا تبدو الدورة الرابعة التي أقيمت في الفترة من 1 إلى 10 أكتوبر، ناضجة من خلال هذا الاتكاء الذاتي على إبداعات الشباب.في الدورة الأخيرة كان واضحا الاعتماد على نصوص مسرحية ألفها الشباب أنفسهم، وانفتاح هذه النصوص على قضايا تمس الواقع المحلي، وأخرى فتحت إطار جغرافيتها لتشمل الهمين العربي والإنساني.
وكان واضحا بروز وتبلور أسماء مخرجين حققوا هالات خاصة، من خلال تراكم تجارب إخراجية مميزة وجوائز حصدوها في ثلاث مسابقات محكمة، الأمر الذي رفع من مستوى المنافسة على جوائز مسابقة المهرجان في الدورة الرابعة.كان الشباب الهواة والمسرحيون المحسوبون على الصف الأول ومعهم النقاد والجمهور، على مدى أيام الدورة الرابعة التي شهدتها أروقة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، يخلصون في آرائهم إلى أن حركة شبابية مسرحية واعدة بدأت تتشكل في الساحة المسرحية المحلية، وبدأت تأتي ثمارها في صورة أعمال مسرحية ذات اطروحات فكرية عالية المستوى، ورؤى إخراجية جديرة بالاهتمام والتأمل والقراءات النقدية الجادة.
وبذلك تكون الدورة الرابعة لمهرجان دبي لمسرح الشباب قد أرست قواعد هذه التظاهرة الفنية السنوية، على ضفاف الحركة الفنية والأدبية في الإمارات، بل وصارت جزءا مهما منها.
فقد نجح هذا المهرجان الذي جاء من فكرة ورش مسرحية تأخذ بيد الشباب الهواة وتوجههم إلى أولى عتبات المسرح، في أن يبلور حالة إبداعية مسرحية خاصة بفئة الشباب، حيث المغامرة والجرأة ومعالجة موضوعات اجتماعية وإنسانية من وجهة نظر شبابية بحتة، فقد غلبت سمة الجرأة على أعمال الدورة الرابعة، وبشكل واضح، بل وذهبت بعض التجارب إلى تجاوزات كبيرة في اختراق المألوف والمكرس على خشبة المسرح، والذي أصبح مع الاستمرارية مجرد تكلسات وأطر فنية.
ولهذا فإن التفاؤل ينمو ويكبر مع استمرار هذا المهرجان الذي يعنى بإبداعات الشباب، ويبشر بحركة مسرحية تحمل في ثناياها ما يشبه الثورة الطليعية التي بإمكانها تحريك الثابت والراكد في مياه المسرح المحلي.
أفكار وحوار
تداولت الساحة المسرحية المحلية، على مدى عشرة أيام، أفكارا وقضايا شبابية برؤى فنية مختلفة شهدتها خشبة مسرح ندوة الثقافة والعلوم، جاورها ووازاها حوار بين جيلين من المسرحيين، نحا باتجاه النقد، حتى وان كان في مجمله انطباعيا، لكن ما يفرح في هذه الولادات الجديدة، هو أن صوتا للحوار الفني بدأ يسري في الجهات، ارتفع معه صوت الشباب الذي كان لسنوات خافتا ومتواريا خلف غلبة نجوم المسرح الذين لم يفسحوا لمن خلفهم المجال للتقدم.
وبالرغم من حديث الشباب واتجاههم إلى ساحة النقد وهم يحاولون تقييم العروض المسرحية خلال المهرجان، فقد كان بعيدا كل البعد عن النقد المنهج، إلا أن علو هذا الصوت وتلك الممارسات النقاشية، قضايا كسرت المتكلس في فضاء النقد المحلي وحركته ولو قليلاً. ففي الندوات التطبيقية التي كانت تقام بعد انتهاء العروض، تصدى الشباب أنفسهم إلى مناقشة عروض بعضهم البعض، الأمر الذي كان يغيب في مهرجانات سابقة، وكذلك في مسرح الكبار.
إن علو صوت النقد، وان كانت تشوبه الانطباعية المفرطة والآنية الناتجة عن قلة الخبرة في محيط الشباب، يشكل مفتاحا لا يمكن الاستهانة به. وهذا ملمح من ملامح الدورة الرابعة، ويوضح مدى ما نجح فيه المهرجان من تكريس حالة تداول الفن المسرحي بين جيل الشباب.
تطلعات الندوة الفكرية المصاحبة
رافق الدورة الرابعة لمهرجان دبي لمسرح الشباب ندوة فكرية فتحت نوافذ الحوار على مصاريعها باتجاه دور المرأة في المسيرة المسرحية الإماراتية بصفة عامة، ودورها في إطار المهرجان الشبابي بصفة خاصة، وخلص المنتدون في أوراقهم الست التي تمت مناقشتها في يوم واحد، إلى بوادر أمل في شراكة حقيقية للمرأة، فالساحة المسرحية المحلية في الإمارات تزخر بالعنصر النسائي المشارك في مجال التمثيل.
وهناك بوادر في التأليف والإخراج، حيث سجلت الدورة الرابعة مشاركة ثلاث فتيات في مجال التمثيل، ومخرجة واحدة ومؤلفة واحدة، ودفع المنتدون باتجاه عوامل تحفيز لاشتراك العنصر النسائي في جميع مفردات العملية المسرحية، وطالبوا بضرورة الترويج بصورة مكثفة لاحتضان المهرجان للمواهب النسائية الشابة، في الدورات المقبلة، وتكثيف الورش التدريبية والمحاضرات والندوات.
كما تناولت الندوة الفكرية في محور التقنيات الحديثة في المسرح الشبابي، واقع العروض المسرحية المحلية التي تغيب فيه الخبرة والمعدات والوسائل التقنية وتوظيفاتها، وفتح المنتدون مدى الأسئلة على مقاربات بين ما وصل إليه المسرح في مجال التقنية على مستوى العالم، وبين ما تفتقر إليه الساحة المسرحية المحلية، ووجه المنتدون إلى ضرورة دفع الشباب إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة في مجال المسرح، والى فتح باب الابتعاث والتدريب والاطلاع على التجارب العالمية.
وفي قراءة تحليلية لمستويات النصوص المسرحية المقدمة لمسرح الشباب، طالب المنتدون بضرورة انتباه الكتاب إلى قراءة الواقع بشفافية عالية، والى الابتعاد عن الموضوعات البالية، والى رصد الراهن، خصوصا في واقع مجتمع الإمارات الذي يزاوج بين التمسك بمفرداته ومنجزات ثقافته الأصيلة المستمدة من عاداته وتقاليده، وبين النهضة الحضارية الحديثة التي تشمل كافة مرافقه.
واشار المنتدون إلى ضرورة التغلب على أساليب الكتابة التقليدية للمسرح، وطالبوا بضرورة احتضان المحاولات الجادة التي يمارسها الكتاب الشباب في الإمارات، كفيلة بخلق كتابة جديدة خارجة على مألوف التقليد، وتمتلك عناصر ظهورها في إطار دهشة جديدة تمنحها المتعة المتواصلة، وفق العقلية الجديدة التي تطورت بفعل التطور البشري الإنساني العلمي للألفية الثالثة.
كما طالب المنتدون بضرورة أن يوجه المسرحيون، الكتّاب خصوصا، بوصلاتهم إلى تلك المؤشرات الحضارية، والعيش في الواقع، والعمل على تأمله ورصد حالات الإنسان فيه، بحيث تأخذ النصوص المسرحية قدرتها على تأمل هذا الواقع ومحاورته وسبر أغواره.
والدعوة كذلك إلى طبع النصوص المسرحية الشبابية ووضع منهجيات واستراتيجيات لرعاية المبدعين الشباب وتأهيلهم علميا وثقافيا ومعرفيا، من خلال المختبرات والندوات، وضرورة السعي لتأسيس أرشيف مسرحي يخص مسرح الشباب، وجعله في متناول الباحثين والدارسين والمشتغلين بالمسرح.
وقد شارك في هذه الجلسات نخبة من المسرحيين ومن المهتمين بالشأن المسرحي، وهم: عمر غباش، نواف يونس، الدكتور هيثم الخواجة، محمد سيد أحمد، عبد الإله عبد القادر، ناجي وناس، جمال آدم، عدنان سلوم، والعديد من الفنانين المحليين، من أمثال: حميد سمبيج وعبد الله صالح والعراقي محمود ابو العباس، أسهموا في إثراء الحوار خلال تلك الجلسات.
نصوص ورؤى إخراجية شبابية
كانت خشبة مسرح ندوة الثقافة والعلوم، على مدى ثمانية أيام، ملعبا لإبداعات وتجليات فكرية شبابية، وهموم أيضا. هموم غائرة في الوجع الإنساني، وأخرى راحت تصرخ في وجه الشر من هنا وهناك.
وبانت في تلك العروض المسرحية وجوه ممثلين يدفعون إلى التفاؤل، وكذلك عناصر نسائية شابة، وبوادر تأليف وبوادر إخراج، كما بانت التلمسات الشبابية لفضاء التقنية وتأثيراتها في بناء الفرجة المسرحية، الأمر الذي عده النقاد تطورا ملموسا لدى جيل يتقدم لاستلام راية الحراك المسرحي من جيل الكبار. وتوالت العروض مضيئة خشبة المسرح بإشراقات وتجليات هنا وهناك غلبتها روح الشباب.
وافتتحت مسابقة المهرجان فرقة دبي الأهلي، بعرض حمل عنوان (السرداب)، تأليف عبد الله صالح، ومن إخراج الشاب محمد عطية، وساعده الشاب عبد الله أهلي، واتكأ العرض على قصة حب من طرف واحد، تدور أحداثها في سرداب مظلم، حيث يلتقي شريف وهاني وعليا، لتتكشف في تلك العتمة ومأزق السرداب، ذواتهم، وعلاقتهم الإنسانية المتشابكة.
وفي مسرحية (المغني) التي قدمتها فرقة مسرح ابوظبي، يعالج المؤلف عمر غباش والمخرجة الشابة شيخة الحوسني التي تتقدم للمنصة في أول عمل إخراجي لها، وهي الفتاة الوحيدة في المهرجان التي تخوض غمار التسابق على جائزة الإخراج، يعالجان في النص هواجس وأحلام الشاب حمد الذي يحلم بأن يكون مطربا فيصطدم بمعارضة أخيه راشد، والذي صادر منه أيضا حقه الشرعي في أملاك والده، وينشأ الصراع بين الأخوين حتى على الحبيبة.
وأما مسرحية (العاصفة) التي قدمتها فرقة مسرح الشباب بدبي، والتي كتبها الشاب حميد فارس وأخرجها حسن يوسف في أول تجربة إخراجية له أيضا، فإنها تذهب بعيدا في عمق الهم الإنساني، حول ثنائية الحرب والسلام، من خلال فرقة من قوات حفظ السلام الدولية تجد نفسها محاصرة في حرب أهلية، وتطلق المسرحية مقولاتها عبر معاناة هؤلاء الجنود الذين جاؤوا من اجل حفظ السلام.
وكذلك، ومن تأليف محمد الحمادي ومنال علي بن عمرو، وإخراج الحمادي نفسه، قدمت فرقة جمعية عجمان للفنون الشعبية المسرحية، مسرحية (سيدة اللوحات) التي تتعرض لأنانية فنان تشكيلي، ارتبط بسيدة ثرية من اجل الوصول إلى المجتمع المخملي، وبيع لوحاته والبحث عن الشهرة والثراء.
وفي مسرحية (رحلة بوح) التي قدمتها فرقة مسرح رأس الخيمة الوطني، يعالج الشاب المؤلف فهد الشحي الذي يكتب للمرة الثانية مع المخرج الشاب مبارك خميس، مفهوم الصداقة من خلال ورطة أصدقاء تتعطل بهم السيارة في طريق صحراوي لتبدأ تلك العلاقة بالتفكك وتكشف المستور خلفها.
وأما فرقة مسرح دبي الشعبي، فقد قدمت مسرحية (راح ملح) للمؤلف طلال محمود الذي حصد جائزة التأليف في الدورة السابقة ومن إخراج مروان عبد الله الذي حصد أهم الجوائز في الدورة السابقة أيضا، وجاء العرض مغايرا ومشاكسا وحاملا مقولات كبار الشخصيات، وأهمها للذين اثروا في التاريخ الإنساني، من أمثال غيفارا وغاندي. وطرح العرض أسئلته في الأفكار التي جعلت واقع العالم اليوم يبدو جحيما ومخيفا.
وأما فرقة مسرح أم القيوين فقد جاءت للمهرجان عبر عرض (زلة عمر)، للكاتب الشاب حميد فارس والمخرج سالم العيان، ويتعرض لمجموعة من السجناء في زنزانة تكشف تفاصيل الجرائم التي يقع فيها الشباب، نتيجة عدة عوامل أسرية واجتماعية.
واختتم المسرح الحديث بالشارقة، مسابقة المهرجان بعرض مسرحية (باب)، للمخرج الشاب محمد صالح الذي حصل في الدورة السابقة على جائزة الإخراج، وجاء عرض «باب» مشاكسا، حيث ترك انطباعا بالغموض لدى الجمهور. وهو يتناول قصة شاب يقع في أوهام رجل عجوز فيقوده إلى دهاليز واقعه، وكأنه يحاول كشف مرارة ذلك الواقع.
«المنفردة»
استضاف المهرجان بجانب عروض المسابقة كذلك، العرض السوري (المنفردة)، وهو عرض متميز يلعب على ثنائية الجلاد والضحية، وسبق لهذا العرض أن قدم في عدة بلدان عربية وأوروبية، وحقق نجاحات نظرا لموضوعته الإنسانية. و(المنفردة) عرض يرسل إشاراته البعيدة، ضاربا بسهامه في صدر الواقع العربي، والشخصية العربية المقموعة، لدرجة أن يتحول هذا الإنسان إلى مسخ لا تبدو فيه معادلات الحقوق عادلة وواضحة.
وعرض (المنفردة) من تأليف نوار بلبل ورامز الأسود، ومن إخراج رامز الأسود، وبد بدأت عروض (المنفردة) خلال مهرجان حمص العمالي الثاني في العام 2008، وشاركت في مهرجانات عديدة، مثل مهرجان الأسبوع الشرقي في سويسرا، ومهرجان ليفربول الدولي للمسرح في كندا.
مرعي الحليان


