هل يحيا الإنسان بالطموح وحده؟ بحلم داعب الجفون بين اليقظة والمنام، بدوائر الضوء وجنون الشهرة وعشق الثراء، ربما تكون كل هذه المفردات مما يحيا به الإنسان، ومن أجلها يعيش، ويحلم بغد جديد.
ولكن هل «لقمة العيش»، قوة دافعة للإنسان ذاته من أجل الاستمرار والبقاء؟ نعم، بالتأكيد، ولكن هناك غيرها أيضاً.حكايتنا هنا هي حكاية حلم وطموح ولقمة عيش معاً، حكاية ناس منهم يتكون كادر العمل الفني في السينما والمسرح والدراما، هم الخلفية وراء الأبطال، هم من يُعرضون حياتهم لمخاطر المهنة من أجل حفنة مال، هي في حد ذاتها حلم لم يكتمل، لانه ليس ككل الأحلام، مختلف بسيط وفقير في معطياته، معدوم في سوق المال والأعمال!هم من يطلق عليهم لقب «الكومبارس»، هم نكهة العمل الفني، الذين يكونون الجدارية المتحركة وراء أبطال العمل ونجومه، الذين لا يتحركون الا داخل دوائر الضوء، وينبهر بهم المشاهدون.
فقد وصف الممثل الكبير الراحل المنتمي إلى ذوي الحسب والنسب الفنان رشدي أباظة، وصف الكومبارس وأطلق عليهم عبارة «ملح الفن ومقبلاته» و«طبق السلطة الشهي» على مائدة الفن.فما هي حكايتهم؟ ومن هم أشهر الكومبارس في السينما العربية والعالمية؟ وأين يوجدون حتى يعثر عليهم مشرفو الإنتاج وصانعو السينما خاصة في مصر.حكايتهم تبدأ بحلم، أو أكثر، حلم التكسب ولقمة العيش ـ وأحيانا حلم البريق والأضواء، لعلها تنصفهم يوماً، ويتقدمون بخطى بسيطة نحو النجومية، مثلما كان العديد والعديد من الممثلين الذين بدأوا بأدوار بسيطة ثم تربعوا دون منافس على عرش الفن المصري والعربي والعالمي، حصروا الجوائز في اكبر المهرجانات.
تنقلاتهم لا تكون إلا بسيارات فارهة، عطر وفراء ومنازل، هي للأحلام والخيال أقرب منها إلى الواقع، يستحقونها عن جدارة، فهم نجوم بكل محتوى المعنى والعمق.
صامت وناطق
ينقسم عمل الكومبارس إلى نوعين، كومبارس صامت، لا تتعدى مهمته مجرد «الحضور» الذي يضفي مدلولاً معيناً على العمل الفني وليس زيادة على المشهد، أما القسم أو العمل الثاني للكومبارس فيكون الكومبارس الذي يخرج عن صمته، وتكون مهمته في البداية مهمة إلقاء جملة أو أكثر، إلى أن يندرج لأكثر من مشهد مصحوب بجوار قصير.
وهناك شخصيات من الكومبارس يتسمون بالذكاء، من طموحاتهم أن يحتكوا بكبار النجوم في العمل الفني، ويتعلموا منهم يتسمون بحب التعليم والاطلاع على عالم الفن السحري، ولكن الغالبية العظمى من الكومبارس محكومون بضيق ذات اليد ولكن كيف الوصول إليهم والتعاقد معهم، وهو غالباً ما يكون تعاقداً شفهياً، ولكن لا رجعة فيه من قبل المنتج الذي يحترم عملهم؟
في القاهرة، عاصمة الفنون العربية جميعها، يوجد جميع الكومبارس في شارع محمد علي، شارع الفن في الزمن الجميل، الذي خرج منه عباقرة السينما المصرية، في هذا الشارع الذي يعكس التاريخ الفني لمصر، يوجد الكومبارس جميعهم في مقهى كبير يعرف باسم «مقهى بَعْرة» (بفتح الباء وتسكين الصعين).
وتنتشر بالقرب من المقهى الفسيح هذا مكاتب الإنتاج الفني، يقضي الكومبارس أوقاتهم في المقهى في لعب الكوتشينة (الورق) والطاولة، تتعالى أصواتهم في مرح بين الحين والآخر، عند فوز أحدهم في هاتين اللعبتين، يملأ المكان الضحك، وسرد الحكاوي وحلم الغد، وأحياناً تلتمع العيون بدموع حزن عابر يتقاسمه الجميع.
لكنهم «راضون» بالمقوم واثقون بالله وبأن ينصفهم ويرسل الرزق والأمان لهم ولأسرهم، يخرجون من أحزانهم، عندما يطلب الإنتاج عدداً منهم في عمل فني، فترتفع الضحكات، وقبلها صيحات الحمد والشكر لله، ويصيح أحدهم بقوله وبنبرة مرحة «كل المشاريب النهاردة عندي» فينزل «دُقدُق» وهو اسم الشاب الذي يقدم الشاي والسحل والقرفة والحلبة والنرجيلة لكل الحضور.
ويرجع إنشاء مقهى بَعْرة إلى العام 1935، جلس فوق كراسيها غالبية نجوم الفن الكبار، وسهروا ليالٍي طويلة في ردهاته لسماع جرس التليفون، ليبشرهم بفيلم جديد قد يأخذهم لعالم الأضواء والشهرة في يوم من الأيام، لان دوام الحال من المحال، بعضهم نجح وشق طريقه نحو النجومية والشهرة والثراء، مثل رشدي أباظة وأنور وجدي وتوفيق الدقن ويوسف شعبان ومحمد هنيدي ومحمود حميدة، وذلك ما أكده صاحب المقهى المسن الحاج سيد الزيناتي، وابنه من خلال حديث معهما.
وقصة شهرة وراء إطلاق اسم «بعْرة» على المقهى الشهير تعود إلى الفنان رشدي أباظة، الذي ترك بصمة النجم الأكثر وسامة على الشاشة المصرية، ترجع إليه هذه التسمية لأن والد سيد الزيناتي كان ضخماً، عريضا طويلا يبلغ قطر صدره من الكتب للكتف 96 سم وكان يشبه الجمل أو البعير ومن هنا جاء اسم «مقهى أو قهوة بعْرة» نسبة لشكلها كالبعير.
وفي الحوار مع الزيناتي أوضح أن مقهى بعرة تطورت خدماته، فلم تقف عند حدود انتظار الإنتاج لترشيح الكومبارس مع الأدوار الهامشية وإنما له رسالة هامة مع خريجي معهد السينما ومعهد الفنون المسرحية في القاهرة، حيث ان الخريجين يستعينون بهؤلاء الكومبارس ليشاركوا طلبة السنة النهائية في مشروع «التخرج».
«حسن كفته»
ومن أشهر الكومبارس في سينما الأبيض والأسود الكومبارس أحمد عثمان، وأكد البشرة، الذي اعتاد أن يلعب دور «السفرجي» في منازل النخبة، وهو يرتدي «القفطان» الأزرق المطرز بخيوط ذهبية وعمامة بيضاء، ومن المشاهد الشهيرة التي ظهر فيها فيلم «حبيب العمر» بطولة فريد الأطرش وفاتن حمامة وماجدة ومنير سراج الدين وفاتنة الشاشة المصرية مديحة يسري.
والتي ذهبت، في الفيلم، لمنزل والدها سراح منير لحضور عيد ميلاد فاتن حمامة، الذي غنى فيه فريد الاطرش اغنيته الشهيرة «يا جميل.. يا جميل»، ذهبت بدافع الغيرة من فاتن حمامة، ففتح لها السفرجي باب المنزل الأنيق بقوله بطريقة فكاهية «الزيطة والزمبليطة في الصالون باستو هانم»! وكان من أشهر أدواره.
ويعتبر الكومبارس المشهور «حسن كفتة» من أبرز أبناء المهنة، لانه كان يعمل بجوار مهنة الكومبارس في محل «الحاتي» اكبر محلات الكباب والكفتة بمصر والموجود حتى الآن، عمل في فيلم «العيش والملح» مقابل أجر قدره ثلاثة جنيهات، بينما وصل أجره حالياً إلى 2700 جنيه عن دوره الذي استغرق دقيقة واحدة في فيم «أصحاب ولا بيزنس» بطولة مصطفى قمر.
أما الكومبارس عبدالعزيز علام (67 عاما) الذي جلس في مقهى بعرة طوال حياته فقدم دوراً صغيراً في فيلم «السفارة في العمارة» لا يتعدى الثلاث دقائق متفرقة وكان أجره فيه ثلاثة آلاف جنيه.
بين سوء المعامة وحسنها
تعتبر الكومبارس «فاطمة كشري» ـ نسبة لعملها في وقت الفراغ مع زوجها في محل الكشري الذي يمتلكه في منطقة جسر السويس بالقاهرة ـ تعتبر من أشهر الكومبارسات الحريمي، لخفة ظلها وقبولها لدى المشاهد، ولعبت في فيلم «أحلى الأوقات» بطولة حنان ترك ومنة شلبي .
وهند صبري دور جارة هند صبري، التي اشتركت في «خناقة» بسبب استغاثة هند بها، وبدورها حثت فاطمة كشري كل الستات للمشاركة في المشاجرة الجماعية بالشارع، أيضاً لعبت دور عاملة الكافيتريا في المسلسل الرمضاني «عايزة أتجوز»، بطولة هند صبري أيضاً.
ومن الكومبارس الشهيرة أيضاً أحمد مهدي خريج معهد التعاون والمعروف باسم «صميدة»، ولعب دوراً لا يتعدى دقيقة في فيلم «حين ميسرة» لخالد يوسف، تقاضى عنه مئة جنيه يدخل فيها مصاريف الانتقال والطعام والعلاج في حالة الإصابة في تمثيل مشهد خطير، كما شارك أيضاً في فيلم «كباريه».
وإذا كان عمل الكومبارس خطيراً، فقيراً، مهمشاً، فإنه حسبما يوضح معظم الكومبارسات في شكاوى مكتوبة أو معلنة في أماكن التصوير أو البرامج، فهم يشكون من انخفاض أجورهم وعدم وجود بند في الأجور يخصص للطعام والمواصلات والعلاج، الذي يحتاجه الكومبارس بسبب مخاطر دوره، مثل وقوعه من السلم أو دخوله في خناقة في الشارع أو قفزه من أماكن مرتفعة، فضلاً عن سوء المعاملة من المنتجين ومساعدي المخرجين وعمال الإضاءة لهذه الفئة حيث لا ينادون كلا منهم باسمه، وإنما يقول مساعد المخرج «كومبارس»، دلالة على بعض من التحفيز وإشعارهم بالضآلة وافتقار الإنسانية.
وغالباً ما يأخذون «الأوردر» من متعهد، وليس من الإنتاج، مثلما كان يحدث قديماً في الزمن الجميل، وهذا يعد تقليلاً لهم مما يزيد من ضيقهم، ولكن للغلبة أحكام.
من مشاكلهم أنهم يقضون ساعات طويلة في موقع التصوير، فقط ليظهروا في مشهد واحد لا يزيد على دقيقة، يقضون الوقت بلا طعام أو شراب، ولكن العديد من النجوم والنجمات يتفهمون مشكلاتهم، ويحاولون حلّها بطريقة ودّية، وقد اشتهرت نجمة النجوم يسرا والزعيم عادل إمام، وسيدة الشاشة العربية والراحل عبدالحليم حافظ، والملك فريد شوقي، بحسن معاملة الكومبارس، والتدخل في الانتاج لزيادة أجورهم، بالإضافة لما يقدمونه لهم في شكل مساعدات مادية وعينية.
أيضاً من شكوى الكومبارس أن الملابس تأتي على حسابهم الخاص، وهذا البند يزيد من أعبائهم، برغم أن ملابسهم في الأفلام ملابس متواضعة في الشكل والمضمون، باستثناء الملابس الخاصة بالأعمال التاريخية، التي يصعب عليهم توفيرها لارتفاع أسعارها وحرفيه حياكتها، هنا فقط تصرف لهم الملابس من هذه النوعية.
والكومبارس في مصر حالياً يطالبون بنقابة باسم «نقابة الكومبارس» لضمان حقوقهم ومعاشاتهم وتأميناتهم الطبية وحسن المعاملة، فيما بينهم وبين المنتجين والمتعهدين في مجال الفن السينمائي والدرامي والمسرحي، وكان الدافع لذلك وفاة إحدى فتيات الكومبارس .
وتعرف باسم حنان، التي توفيت في حادثة الوقوع من سلم في الظلام، فوقف كل الكومبارس متحدين للأخذ بحقوقها وحقوقهم، وطالبوا بإجراء مقابلة مع أشرف زكي نقيب السينمائيين لمناقشته في إنشاء نقابة خاصة بهم لحفظ حقوقهم جميعها، وبعد دراسة هذا الموضوع وعرضه على المختصين.
ومنهم أشرف زكي، تبين أنه ـ كنقيب للممثلين ـ لا يملك حق القرار في إنشاء نقابة للكومبارس، لأن في ذلك مخالفة للوائح نقابة الممثلين، لكنه يحاول مساعدتهم بشكل ودي، من خلال العمل على إنشاء رابطة للدفاع عن حقوقهم، وقامت أيضاً عائشة عبدالهادي وزيرة القوى العاملة في مصر بدراسة مشاكل الكومبارس، ولكنها توصلت إلى أنه لا بد من قرار وإصدار قانون من مجلس الشعب في هذا الصدد.
ومن مساعي أشرف زكي أنه أكد على شركات الإنتاج ضرورة رفع أجور الكومبارس وحسن معاملتهم وإضافة مزايا لهم، مثل صرف وجبات طعام لهم، وخدمة علاج سريع في مواقع التصوير.
وأخيراً تم إنشاء ما يعرف باسم الجمعية الأهلية لسد العجز في وسائل حماية هذه الفئة ـ الكومبارس ـ لحين إصدار قانون لإنشاء نقابة خاصة بهم، وهذه الجمعية تعمل تحت مظلة «قانون الجمعيات الأهلية».
ويعمل في مهنة الكومبارس في مصر ما لا يقل عن 40 ألف كومبارس، يعملون لساعات طويلة، في ظروف إنسانية صعبة، ولكنهم ياملون خيراً في الجمعية الأهلية الخاصة بهم، والتي لم تبدأ عملها الفعلي حتى الآن.
ويعتبر المجال الفني في سوريا من أكثر المجالات التي تستخدم الكومبارس، خاصة في الدراما السورية، التي تحتاج طبيعة العمل فيها لمئات من الكومبارس، خاصة في دراما المخرج نجدت أنزور، الذي يعتمد في تصوير مشاهده على مئات من الكومبارس في الصحراء في الدراما التاريخية، ويتدرب الكومبارس في هذه الأعمال على التعامل مع الكلاب البوليسية والجياد والجمال، لأن الطابع التاريخي والحبكة الدرامية تحتاج لذلك.
ويعمل الكومبارس في سوريا عن طريق متعهد لشركات الإنتاج يجلب لها الأعداد الهائلة للكومبارس، حسب طبيعة العمل الفني، وأكثر المشاهد التي تحتاج لكومبارس في سوريا، الدراما التاريخية والدينية، وينقسم الكومبارس إلى كومبارس ممثل في الخلفية أو صامت أو مشجع لفريق رياضي.
ويشترط في الكومبارس السوري ان يكون جسمه ضخماً رياضياً لطبيعة الأعمال السورية التي تعتمد على التصوير الجماعي الخارجي والذي اشتهر به نجدت أنزور.
ولا يزيد أجر الكومبارس في سوريا على 400 ليرة سورية، وهو مبلغ يسيء إلى إنسانية الكومبارس، ومن هنا وصلت نسبة تراجع مهنة الكومبارس في سوريا إلى 65% عن سنوات قليلة مضت.
وإذا كان الكومبارس في عالمنا العربي مازال يعاني، ويحلم بيوم ينصفه فيه الزمن، وأن يكون له بين المنام واليقظة حلم الأثرياء ورواد دوائر الضوء، فلا بد له من تحسين وضعه، واقتراح معاهد خاصة لتخريج هذه الفئة التي غالباً لا تقل موهبة عن العديد من الممثلين في مشوارهم الفني، فإذا صودرت المطالب.. فمازالت الأحلام ممكنة!
منى مدكور


