«المكتبة الأكبر والأكثر تكلفة والأكثر أماناً في العالم». نقشت هذه العبارة على قبة مبنى توماس جيفرسون، البناية الرئيسية لمكتبة الكونغرس التي تعتبر من المعالم البارزة في واشنطن.
حيث تبلغ مساحتها 39 هكتاراً، وطول أرففها 856 كيلومتراً، وتضم 130 مليون مادة مختلفة منها 29 مليون كتاب، ومواد مطبوعة بـ 460 لغة، وأكثر من 58 مليون وثيقة، وبذا فهي تعد أكبر مرجع في العالم للمواد القانونية والخرائط والأفلام والمعزوفات الموسيقية.أسست مكتبة الكونغرس في العام 1800م لتخدم أعضاء الكونغرس الأميركي، وبدأت بمقتنيات قدرت آنذاك بخمسة آلاف دولار، ويعود الفضل في إنشائها للرئيس توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأميركية، الذي كان متعدد المواهب:
كاتباً، دبلوماسياً، قانونياً، ومهندساً. وتميز بتنوع في المواهب التي اجتمعت في سياسي فريد مثله، ولفرط الإعجاب به اختاره الرئيس الثاني، جون آدمز، نائباً له. وأصدر جيفرسون أول قانون يحدد ويوصف دور المكتبة على النحو الشامل الذي تقوم به اليوم. مباني المكتبة ظلت المكتبة ملحقة بمبنى الكونغرس منذ إنشائها، وتوسعت في قاعات المبنى الذي أحرقه الإنجليز في 24 أغسطس 1814م، ولكنها فقدت مقتنياتها لاحقا فعوضتها في 30 يناير 1815م بشراء مكتبة توماس جيفرسون لتعيد امتلاك ما افتقدته، لكنها ظلت جزءاً من مبنى الكونغرس، وفي عام 1851م تعرضت مكتبة الكونغرس لحريق كبير، ودمرت النيران ما يقرب من 35 ألف كتاب من إجمالي 55 ألفا، كانت تقتنيها.
وكان سبب الحريق عيب في أحد المداخن، وعرض توماس والتر على الكونغرس خطة لبناء جناح جديد للمكتبة بمواد غير قابلة للاحتراق، وقد افتتح الجناح في 23 أغسطس 1853م، في حفل كبير جعل الصحافة تطلق عليه مسمى «أكبر جناح في العالم». وفي عام 1865م حصل أنسروت راند سبفرود، أمين الكتبة على موافقة الكونغرس لإضافة جناحين للمكتبة، ويعود الفضل لسبفرود في إصدار قانون الإيداع الذي يضمن حق المؤلف في عام 1870م، الأمر الذي يتطلب إيداع نسختين من كل كتاب في المكتبة التي عدت المكتبة الوطنية للولايات المتحدة الأميركية، وأدى القانون إلى تدفق سيل من المقتنيات المختلفة على المكتبة، وهذا ما جعل سبفرود يواجه نقصاً في الأرفف، لذلك قام بإقناع الكونغرس بضرورة نقل المكتبة إلى مبنى جديد، هذا ما نال الموافقة عليه.
بناية جيفرسون
كان من الطبيعي أن يثار جداً حول المبنى الجديد الذي لم يقر تخطيطه إلا عام 1886م، على غرار بنايات عصر النهضة الإيطالي، وفقاً للتصميم الذي أعده كل من جون سمثير وبول بليز، ولم ينجز هذا المبنى إلا في عام 1897م، وعرف المبنى باسم مكتبة الكونغرس أو المكتبة الرئيسية، حتى تم تسميته بمكتبة توماس جيفرسون في 13 إبريل 1976م.
وذلك في حفل أقيم في ذكرى ميلاد جيفرسون بحضور الرئيس جيرالد فورد، وعند افتتاحه كان يمثل الروح الأميركية الجديدة، ورمزا وأثرا قوميا لأميركا، فقد بذل في زخرفته جهدا كبيرا من قبل 50 فناناً ونحاتاً أميركياً، ويعد مبناه الأكثر إخلاصاً للثقافة الكلاسيكية، بشكل فاق كل ما تمتعت به المكتبات الأوروبية الشهيرة.
مبنى آدمز
وفي عام 1928م، وبناء على طلب من أمين مكتبة الكونغرس هربرت بتمان، وافق الكونغرس على شراء الأراضي التي تقع شرقي المكتبة الرئيسية، لبناء ملحق جديد للمكتبة، كما اعتمدت في عام 1930م ميزانية خاصة لبنائه وبناء نفق يربط بينه وبين المبنى الرئيسي، ولإضافة جناح في الجهة الشرقية للمبنى الرئيسي، يخصص للكتب النادرة، وصمم هذا المبنى شركة «بيرسون سويلسون»، بالاشتراك مع المهندس الاستشاري ألكسندر بول تروبردج، وذلك على الطراز الكلاسيكي البسيط.
وتم افتتاح المبنى في 2 ديسمبر 1938م، وفي 3 يناير 1939م فتح أبوابه أمام الجمهور، وتميزت أبواب المبنى بوجود الشخصيات التاريخية عليها، حيث نفذت بالبرونز لتحكي جانباً من التاريخ الإنساني، وقد نفذها النحات لي لوير. وفي عام 1980م حمل المبنى اسم بون آدمز، ثاني رئيس للولايات المتحدة.
مبنى ماديسون
بقيت مكتبة الكونغرس تنمو حتى اضطر ممفورد إلى تقديم دراسات لإنشاء بناية ثالثة في عام 1957م، وحصل على موافقة البناء عام 1965م، ثم وضع حجر الأساس في عام 1974م، إلا أنه لم يفتتح المبنى إلا في 20 نوفمبر 1981م، وذلك بحضور الرئيس رونالد ريجان.
وسمي هذا المبنى ب جيمس ماديسون، على أسم الرئيس الرابع للولايات المتحدة، والذي يعد الأب الشرعي للدستور والحقوق الشرعية. ونحت النحات، والترهان كوك تمثالا لماديسون فيه، وعلى الجدران المحيطة بالتمثال 8 خط بشكل فني جاذب، أقوال مقتبسة من كلام ماديسون عن الحرية والتعلم والمعرفة.
أندر مئة كتاب للأطفال
تضم مكتبة الكونغرس أكبر مكتبة متخصصة في القانون في العالم، ففيها حوالي 2,4 مليون مصنف، ويعود هذا إلى أن دور المكتبة الذي أسست من أجله هو خدمة أعضاء الكونغرس كمكتبة مرجعية لهم.
هكذا أراد الأميركيون تأسيس دولتهم وفق قواعد علمية تخدم المصالح العليا لدولتهم، وتضم المكتبة أيضاً أندر مجموعة من المخطوطات في العالم، وأكبر مجموعة من أوائل المطبوعات الأوروبية، أبرزها أندر مئة كتاب للأطفال في العالم، منها أيضاً أصغر كتاب في العالم حجمه 1/25 بوصة، يتم تقليب صفحاته بدبوس صغير، كما يوج في الكونغرس أكبر كتاب في العالم، يحتوي على صور بالحجم الطبيعي للطيور الأميركية.
وهناك أيضاً 2,5مليون تسجيل صوتي تضمها المكتبة. إذا بذا نجد أن العالم كله بمعارفه بين جدران هذه المكتبة التي تتطور يوماً بعد يوم، لتظل على قمة مكتبات العالم، فهل ندرس هذه التجربة لكي ننافس هذه الدولة العظمى في مجال توظيف المعرفة لخدمة مصالحنا العربية، وليس لترفيف الكتب دون أن نقرأها.
خالد عزب



