لا يوازي انتشار الشائعة سوى المثل المعروف ( كالنار في الهشيم ) لأن النار تأكل الأخضر واليابس والشائعة تطال كل الناس، وتنتشر في مجتمعات تغذي حياتها بالسرد الشفوي الطاعن في النميمة، نميمة لا توفر كبيراً أو صغيراً، ولا غنياً أو فقيراً، ولأن الشائعة نتاج قديم فقد تفتقت أذهان المروجين في القرن الجديد عن شائعة الانترنيت بذات الأسلحة ولكن بسعة انتشار تشبه الـ BESTSELLERS الأكثر مبيعاً، والمصطلح قادم من عالم النشر والتوزيع.
فقد نشرت مجلة «نيوزويك» الأميركية في أحد أعدادها تقريرا طريفا وجادا عن سوء استخدام الكتابة والتعبير في مواقع الرأي والدردشة على شبكة المعلومات الدولية، وما له من تأثيرات سلبية خطيرة بين أفراد المجتمع وصلت حد تسجيل حالات انتحار تحت ضغوطات تلك التأثيرات وتداعياتها، مما جعل كاتب الموضوع يصف الحالة ب«القتل رميا بالشائعات»..
ولا يكشف أصحاب تلك الكتابات عن هوياتهم الحقيقية بل ينشرون ما يكتبون في الغالب بأسماء مستعارة أو بتوقيع (مجهول)، وقد يكون هؤلاء قريبين من ضحاياهم أو مجرد أدوات في عملية تصفية حسابات بين أشخاص أو جهات ما.
المتابع لما ينشر من مواضيع وتعليقات في المدونات والمنتديات والمواقع الشخصية سيرى حجم تلك التأثيرات بمضامينها السلبية التي تدخل ضمن مصطلح الشائعة التي تحدث عنها مقال ال«نيوزويك» بل وتتعداها في بعدها الكيدي إلى القذف والتشهير وبأسلوب متدنّ، وفي ظل غياب قوانين ناظمة لعملية النشر على الشبكة الدولية يسرح ويمرح مروجو الشائعات في مواقع الدردشة ومنتديات القيل والقال دون رادع أو رقيب، لا يطلقون الشائعات فقط، بل بعضهم يصدقها، خاصة إذا كانت حبكتها قوية ومضاف إليها بعض التوابل.
تتغذى الشائعة من قلة الوعي الاجتماعي وتنمو في هواء مسموم بالريبة والشك، فتخلق الحقد والكراهية وتؤدي إلى انعدام الثقة فيما بين أفراد المجتمع، والأمثلة حاضرة حولنا ليس أقلها ما حدث بين مصر والجزائر بسبب مباراة بكرة القدم.
ولكن أكثرها ما يحاك حول المشاهير من موت وطلاق وثرثرة وعنعنة وقيل وقال، حتى يصل مداه في خلق حالة الفوضى والذعر، وما يؤسف له أن الشائعة كانت تنمو في مجتمعات الجهل قديماً، لكنها اليوم نتاج جيل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بعلاقة افتراضية مع مجتمع الانترنت، متخطياً الهاتف المحمول والبث الفضائي، وكأن لا قيمة لعصر العلم، لأننا نستخدمه في بعقلية الأمس، فتنتج الأمراض ذاتها.
