إن المؤلفة تستهلّ تحليلاتها بالقول أن المثير للدهشة في تظاهرات الوعي الغربي المعاصر ليس التأكيد على العقلانية ولكن بالأحرى إفساح المجال أكثر لما هو «غير عقلاني»، على اعتبار أنه يشكل مكوّنا أساسيا في التركيب النفسي الإنساني. بل وترى المؤلفة أن النزعة العقلانية، خاصة في المجتمعات الغربية تضغط جدا بحيث أن البشر بحاجة إلى ما هو غير عقلاني و«ما هو خفي».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين عشرة فصول يخص كل منها «حكاية» أسطورة يتغلّب «الظل» فيها على التفكير العقلاني. إنها ترسم عوالم من الأشباح التي لها وزنها في الواقع.
هكذا تتعرض المؤلفة لحكاية ذلك الضابط السوفييتي الذي كان يعتقد أن هناك «قوة خفية» تحركه وكأنه أحد أبطال «الياذة» هوميروس، أو ل«عالم فيزياء» شارك في اكتشاف الصواريخ الحقيقية عندما كان يبحث عن كيفية الوصول إلى «العالم المثالي الذي ينبعث فيه الأموات»، أو ل«أب عجوز» يتعذب ويعذّب من حوله في محاولته ضبط إيقاع حياتهم بعده، إنه «الملك لير» الذي أبدعه شكسبير.وحكايات عديدة أخرى ل«الظلّ» فيها حصّة كبيرة.
وبعد أن تؤكد المؤلفة على أهمية المعرفة التي يمكنها أن توجّه سلوك البشر والتأكيد كذلك أن الماضي «ينير» المستقبل، تلحّ على القول أنه طالما هناك من يهتمّون بالأعمال الكبرى لثقافة ما فإن هذه الثقافة ليست مهددة بالزوال.
وتنقل المؤلفة عن الكاتب الفرنسي جان كوكتو قوله: «إن القبر الحقيقي للأموات هو قلب الأحياء». وترى أن رموز الماضي مهما كان مدى «لا عقلانيتها» ليست أشباحا بل «رموزا حية» استمرّ وجودها عبر الأجيال.
إن المؤلفة، أستاذة الفلسفة، تحاول فتح أبواب «مملكة ثقافية» بدت أنها مهجورة من قبل مفكري العقلانية الغربية. وهي «مملكة» تشكل اللاعقلانية أحد أسسها الرئيسية.
إنها عقلانية ذات وجوه مختلفة، إذ تأخذ أحيانا لباس «السر» وأحيانا صيغة «اللغز العلمي» وربما صيغة «الكابوس» أو «جنون العاطفة» أو غير ذلك. لكن يبقى القاسم المشترك بين هذه المظاهر كلها هو أنها تخص غالبا «حدثا تاريخيا لا تمكن السيطرة عليه».
وتميّز المؤلفة بين فئتين عريضتين تنضوي ضمنهما «اللاعقلانية» المؤسسة في الحضارة الغربية. الفئة الأولى تخص اللاعقلانية التي مآلها الزوال كنتيجة لتقدم الفكر التنويري. والفئة الثانية تخص اللاعقلانية التي تقاوم وهي التي تحافظ على «الظل» الذي تدعو المؤلفة إلى سماع «ندائه».
ويتضمن هذا الكتاب عددا من الرسائل التي ليس أقلّها التأكيد أن الإصغاء ل«الظل» لا يعني أبدا الخضوع ل«الظلامية». وليس المقصود أبدا هو «إهانة العقل»، ولكن «دعوته» إلى التواضع والاعتدال.
والتأكيد أن «اللاعقلانية» التي جرى تصور أنه قد جرى «وضعها على الباب» كتعبير عن سيادة العقل إنما هي «تعود من النافذة»، بل هي «تأخذ اليوم ثأرها» وذلك من خلال «تفشّي الأمراض والعنف والحروب والدمار». وتقول المؤلفة أن القرن العشرين الذي كان قد شهد حالات من التوحش البربري عبر حربين عالميتين قد ترك وراءه إرثا «على درجة عالية من الشراسة».
وتشير المؤلفة إلى أن أفكار عصر التنوير، رغم ما حققته على صعيد التحرر الإنساني والتقدم الاجتماعي، إنما حرمت «عبر اندفاعها» البشرية من تراث شعري وأدبي هائل مثل «الأساطير المتعلقة بالخطيئة الأولى» و«الأسفار بعد الموت» و«السلام الروحي». مثل هذا التراث يُلطف» من قسوة الفكر العقلاني الجاف.
وتشرح تيريز دلبيش أن «نداء الظل» هو نوع من التأكيد على أنه لا توجد الأنوار بدون الظلال. وبالتوازي ليس هناك نشاط عقلاني دون نفحات من اللاعقلانية. وتؤكد أن كبار المفكرين والفلاسفة ابتداء من أفلاطون فهموا مثل هذا «التكامل».
وهناك الكثير من العلماء الذين لا يزالون يعتقدون أنه سيكون هناك دائما «شيئا» لا يمكن تفسيره في الطبيعة. وما تفعله المؤلفة بالتحديد هو أنها تتعرض في كتابها إلى «أشخاص» حقيقيين أو «شخوص» أدبية لا يمكن فهمها بواسطة العقل وحده.
و«نداء الظل» هو بالوقت نفسه «نداء اللاوعي» الذي يملي إلى حد كبير على الأفراد سلوكهم باعتباره «المستودع» الذي تستقي منه الأحلام مادتها. وهذا «اللاوعي» لا يمكن السيطرة عليه.
الأمر الذي «تترجمه» المؤلفة بالقول بخطئ الفكرة السائدة حول «إمكانية السيطرة على كل شيء».
مثل هذه الفكرة هي التي تنتج «وحوشا» خاصة في عالم السياسة، كما تقول التحليلات المقدّمة. وتؤكد بالتوازي أن الميل الحديث نحو «عقلنة» كل شيء يؤدي بالضرورة إلى مخاطر كبرى على صعيد النشاط الفكري.
ولا تتردد المؤلفة في المحصلة بتأكيدها أن أحد مصادر ثراء الثقافة الكبرى تتمثل في بناء قاعدة صلبة تؤمن التواصل بين الأجداد الذين «يتابعون» الحديث إلينا والذين علينا أن «نتابع» الاستماع إليهم.
الكتاب: نداء الظل
تأليف: تيريز ديلبيش
الناشر: غراسيه باريس 2010
الصفحات: 180 صفحة
القطع: المتوسط
L?appel de l - ombre
Thérèse Delpech
Grasset - Paris- 2010
180 p
