احتلّت أخبار انغريد بيتنكور، الرهينة لدى القوات الثورية المسلحة الكولومبية المعروفة باسم «فارك» اختصارا، صدر الصفحات الأولى في العديد من وسائل الإعلام العالمية عامة والفرنسية خاصة ؟ إنها تحمل الجنسية المزدوجة، الكولومبية والفرنسية- خلال ما يزيد عن ست سنوات كانت قد أمضتها رهينة في الأدغال الكولومبية الأمازونية.
رفع البعض انغريد بيتانكور إلى درجة النظر لها ك«قديسة» عندما كانت رهن الأسر، ثم أطلق عليها آخرون، بمن فيهم بعض الذين شاركوها مصيرها، أسوأ النعوت بعد إطلاق سراحها.
هكذا مثلا قدّمت «كلارا روجاس»، مديرة حملتها الانتخابية والتي تعرّضت للخطف معها، شهادتها في كتاب روت فيه كيف انهارت صداقتهما. وشهادة قاسية أخرى قدّمها ثلاثة جنود أميركيين شاركوها سنوات السجن ووصفوها ب«الأنانية والصلف» ونعوت أخرى.
في مواجهة هؤلاء جميعا وسيل الاتهامات تقدم انغريد بيتانكور «شهادتها» في كتاب من 600 صفحة تحت عنوان «حتى الصمت له نهاية». وهذا العنوان هو بالأصل بيت من الشعر لبابلو نيرودا، شاعر الشيلي الكبير.
إن المؤلفة تعود في هذا الكتاب بالتفاصيل الدقيقة للحديث عن فترة أسرها وعن سلوك جلاديها وسلوك المساجين والأمكنة. كما تلقي نظرة متفحّصة على «القوات الثورية المسلحة الكولومبية» وكيفية تفكير خبراء الاستراتيجية لديهم وأهداف إستراتيجياتهم. وعن أولئك الشباب اليافعين، من الجنسين، الذين انخرطوا في النضال الثوري والذين بحثوا جميعا عن سبل «تجاوز» ظروف حياتهم القاسية.
ويدل توصيف حياتها اليومية في الغابات أنها كانت مزدوجا من الضجر والقلق والعنف. تقول: «لقد حكموا علينا بالحكم الأقسى الذي يمكن أن يعاني منه كائن بشري. وهو عدم معرفة متى يمكن وضع حد نهائي له».
والعالم الذي ترسمه لم يكن يعرف سوى «القسوة المطلقة» والتأرجح «بين الحياة والموت» و«القيود التي تغلّ الأجساد» وحيث «الاغتصاب» أو «التهديد بالاغتصاب» يخيمان في كل الوقت، وتشير المؤلفة منذ بداية «شهادتها» أنها تعرّضت لهما من قبل سجّانيها.
لقد أمضت انغريد بيتانكور حوالي ست سنوات ونصف السنة رهينة في أدغال الأمازون الكولومبية. وما تؤكده أن الفكرة الوحيدة التي لم تفارقها كانت الهرب من ذلك الجحيم. وتشير في كتابها أنها حاولت خمس مرات تحطيم قيودها دون أن تنجح في ذلك.
وكانت وسيلة «الهرب الناجحة» لديها في الاستعانة ب«حلفاء صامتين» يتمثلون في الكتب. وهي تروي في كتابها كيف انكبّت على قراءة الإنجيل و«الجريمة والعقاب» وقاموس موسوعي كان بالنسبة لها «جامعة في علبة».
وتروي المؤلفة أنه ذات يوم زوّد رهائن عسكريون في معسكر مجاور كتبا «برسم الإعارة» للرهائن المدنيين، ومن بينهم المؤلفة حيث حملوها على أكتافهم لمسافة طويلة. نقرأ: «لقد كانت كنزا حقيقيا. وحياتنا قد تغيّرت بفضله».
وكان في عداد تلك الكتب «الأم» لمكسيم غوركي و«حفلة التيس» لفارغاس لوسّا و«هنري بوتر». وبفضل تلك الكتب «حدثت النجاة بعيدا خارج ذلك المكان المحاط بالأسلاك الشائكة.
اعتقدت انغريد في بداية «سجنها» أنها تتمتع بصفة «سجينة سياسية» وأن فترة اختطافها مؤقتة. وطالما فكّرت آنذاك أن القوات المسلحة الكولومبية تتعقّب «الخاطفين المارقين» وسوف تحررها سريعا.
وتشير هنا أنها سمعت عبر الإذاعة نداء بابا الفاتيكان ورئيس وزراء فرنسا آنذاك «دومينيك دو فيلبان» للمطالبة بإطلاق سراحها. لقد حلّت بعد ذلك المشاعر القاسية بأنه لن يتم تحريرها سريعا.
وهنا ثار غضبها الذي صبّته على جلاّديها لتبدأ مباشرة محاولات الهرب. وهي تؤكّد أنها كانت تنجح غالبا في الابتعاد عن معسكر الاعتقال لتجد نفسها أمام «حاجز«الغابة الكتيم ليتمكن «مطاردوها» من الإمساك بها. وفي كل مرة كان العقاب هو المزيد من الحجز وصولا إلى تقييدها بالسلاسل، من الرأس حتى القدمين».
وتقول الرهينة السابقة أن الشهور الستة الأخيرة كانت هي الأكثر صعوبة حيث إنها فقدت عندها الشجاعة تماما. وعزفت عن التغذية تقريبا وكانت تتقيأ دما وأنهكتها الملاريا. لقد فقدت عندها كل شيء: «الصحة والعقل والأمل والإيمان». وتعطي المؤلفة الإحساس انه لو لم يتم تحريرها آنذاك فإن مصيرها المحتوم والقريب كان الموت «ولو حيّة».
لكن عالم الحجز والارتهان بكل ما فيه من مظاهر القسوة ومن ممارساتها، لم يجعل مؤلفة هذا الكتاب تنسى الحديث عن «سحر» تلك الغابات التي أحاطت بها وبما تبعته من روائح عطرية في بعض فترات السنة وهكذا تتحدث عن «عيد من الألوان كان يستمر عدة أيام فقط».
وفي جميع الأحوال تعود المؤلفة إلى الحديث عما لاقته من أشكال التعذيب التي تراوحت من السباب والشتائم إلى الضرب والاغتصاب والتهديد المستمر بتنفيذ الإعدام والبقاء ليالي كاملة دون النوم دقيقة واحدة.
وتروي في الصفحات الأخيرة من الكتاب كيف جرى تحريرها وأنها عندما كانت في الطائرة العمودية ؟ الهيلوكبتر- التابعة للجيش الكولومبي متجهة نحو «بوغوتا» طلبت من الجنرال، قائد الطائرة، إذا كان باستطاعتها الذهاب إلى «دورة المياه». فأجابها بابتسامة لطيفة: «لم تعد هناك حاجة لطلب إذن».
الكتاب: حتى الصمت له نهاية
تأليف: انغريد بيتانكور
الناشر: فيراغو برس - نيويورك 2010
الصفحات: 806 صفحة
القطع: المتوسط
Even silence has an end
Ingrid BetancourkroY weN - sserP ogariV t
- 2010
.p608
