هذا كتاب عن الزواج في المجتمعات الغربية، ويحاول المؤلف أن يدرس مختلف المسائل التي تواجهها الأسرة، بمعنى الزوج والزوجة تحديدا، في المرحلة الراهنة.
ويتم التركيز بداية على القول أن «الزواج عن حب» يعطي لأولئك الداخلين فيه فكرة أن «الحب» مستمر وأبدي، لكن سرعان ما تنتهي الأمور إلى الطلاق منذ أن يبدو «شبح الضجر» بالظهور على صعيد الحياة اليومية. هذا ما تقوله الأرقام المقدّمة ببلاغة. ويشير المؤلف أنه في عموم أوروبا تتعاظم ظاهرة الطلاق باستثناء «مالطة» التي تمنعه.وتشير الأرقام أنه في عام 1970 تمت 400000 حالة زواج في فرنسا مقابل 273000 عام 2008 ثم 265000 عام 2009. بالمقابل ازدادت نسبة الطلاق من 10 بالمائة من الزيجات عام 1965 إلى 50 بالمائة عام 2005.
ويسأل المؤلف: «ما هي حالة جيش يفقد نصف عدد قواته وتتضاءل جهوده من أجل تجنيد عناصر جدد؟». ثم يجيب: «إنه جيش مهزوم بكل بساطة». ثم يقرر المؤلف بناء على الإحصائيات «المعبّرة ببلاغة» أن «الزواج يواجه أزمة» بل وغدا مثل «بناء على الرمال».
والمظهر الأول والأساسي لهذه الأزمة هو أنه «من الصعب التوليف بين طول عمر الزواج كما كان الأمر في الزمن الماضي وبين مستلزمات الزواج المعاصر الكثيرة». وبعد الإشارة إلى «موت الزواج في الغرب» يؤكد المؤلف أن «زواج الحب هو في أزمة ذلك أنه يقوم على العواطف التي لا تدوم».
بالمقابل «أعيد الاعتبار لزواج المصلحة» و«التآلف باسم الحنان والصداقة والاهتمام بالأطفال ومقاومة جماح العواطف. وذلك كله في سبيل الاستمرار».
وتحت عنوان «استمرار الزواج لفترة قرن بورجوازي»، يحدد المؤلف فترته ما بين عام 1850 وعام 1950؛ وحيث كان زواجا تقليديا بمعنى على طريقة «الجدود» القائمة على تضحيات النساء وحرية حركة الرجال. لم تكن السعادة هي الهدف آنذاك ولا «الانصهار» مع الآخر. لكن منذ أن جرى «عكس الأولويات» وحلّت «العواطف» مكان «المصلحة» و«العقل» وبدا أن الزواج يمثل «فردوسا للسعادة».
وهذه الطموحات «المفرطة في المبالغة» هي التي تدفع نحو فشل الزواج عن الحب، كما يشرح باسكال بوركنر. ويتم الحديث في هذا السياق عن مفارقة تتمثل في أنه بالوقت الذي تطالب فيه شرائح متنامية من المجتمعات التقليدية ب«حرية الحب» الذي يتوّج بالزواج يواجه هذا الزواج «أزمة شرعية لا سابق لها في الغرب».
ومفارقة أيضا بين الماضي القريب والحاضر، إذ «قبلا كان يتم النظر إلى الزواج على أنه سبب جميع الشرور بسبب افتقاره للمساواة وتسلّط الرجل واختزاله المرأة لمجرد قطعة من الأثاث، وما جرّ هذا كله من الخيانة. لكن بصيغته المعاصرة (...) خلق الزواج آفات جديدة دون أن يقضي على القديمة فالخيانة لم تنته بينما تتعاظم حالات الطلاق وتتعمّق حياة العزوبية (...) فما الذي جرى«؟
ويعيد المؤلف تاريخ بداية مسيرة الطلاق المتزايد جدا إلى مصلحي عصر التنوير ـ وخاصة للمدعو «هلفيتيوس» الذي اقترح عقد «زواج تجريبي» لمدة ثلاث سنوات ـ الذين أعلنوا عن تمنياتهم أن يساهم الطلاق في «تعميق العواطف المتبادلة (...) ويسهّل انفصال الزوجين اللذين يفقدان هذه العواطف».
تتم الإشارة أن مثل هذه الأفكار وجدت أصداءها في كتابات بلزاك وستندال وهوغو وغيرهم. وكان قد جرى إقرار الطلاق رسميا في فرنسا عام 1792، أي بعد ثلاث سنوات من قيام الثورة الفرنسية الكبرى ثم جرى إلغاؤه عام 1816 ثم أعيد العمل فيه عام 1884.
ولم يكن يتم النظر إلى الطلاق على أنه «حادث مشؤوم في مسيرة الزواج». ولكنه كان بالأحرى «محوره الرئيسي». ذلك بمعنى أن وجوده يجعل من استمرار الزواج خيارا حرا بدل من أن يكون «سجنا».
وينقل المؤلف عن المدعو «كايي» تصريحه أمام الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1792 ما مفاده: «إن الطلاق سيعيد للزواج كرامته. وسوف يبعد فضيحة الانفصال ؟ دون إمكانية الزواج من جديد- وسوف ينهي مصادر الحقد كي يحل محلها الحب والسلام». مثل تلك التوقعات كذّبتها وقائع الحياة بعد ذلك،كما يشرح المؤلّف.
وتحت عنوان «دكتاتورية العواطف» ينقل بروكنر عن فريديريك انجلز كتابته عام 1884 في عمله الشهير «أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة» ما يلي: «إذا كان الزواج القائم على الحب هو وحده الزواج الأخلاقي فإن زواجا أخلاقيا هو فقط الذي يبقى الحب أساسه». هذه الجملة يجدها «بروكنر» حاسمة من حيث تبشيرها ب«دكتاتورية العواطف».
يكتب: «لم تعد النصيحة للزوجين هي أن يتوافقوا بل أصبحت إصدار الأوامر لهم بأن يبقوا عشّاقا». ويجد في الملك ادوارد الثامن الذي تخلّى عن العرش البريطاني من أجل حبه «رمزا» لانقلاب القيم.
والنتيجة هي أن «الخلط» بين الحب والزواج في الغرب دفع إلى نوع من «تقديس» الحب. وبالتالي لا يتم الطلاق «بسبب الأنانية والنزعة المادية ولكن بسبب نزعة بطولية قاتلة وأفكار مبهمة جدا لدى الزوجين عن حقيقتهما». وترجمة هذا يجدها المؤلف في القول أن كل امرأة عليها أن تكون أما وعشيقة وصديقة، وكل رجل عليه أن يكون أبا وعشيقا وزوجا وكاسبا للعيش. «وويل لمن لا يحقق هذه الشروط (...) إذ عندها يغرق الزواج كسفينة زائدة الحمولة».
أمّا المطلوب فهو «تعلّم الحب» بكل غناه ورهافته، وليس «تحريره» وجعله «دكتاتورا».
الكتاب: هل فشل الزواج عن حب
تأليف: باسكال بروكنر
الناشر: سويل - باريس 2010
الصفحات: 451 صفحة
القطع: المتوسط
Le mariage d-amour a-t-il échoué
renkcurB lacsaP
0102 - siraP - tessarG
p 154

