من الأفكار الشائعة القول أنه من الصعب في إطار الأسرة ومحيط العمل وبين الأصدقاء أن يقول الإنسان «لا». والباحثة الفرنسية في عالم النفس وعلم الاجتماع تقدم كتابا حول «معرفة أن نقول لا ونتجرأ على ذلك».

إن هدفها من هذا الكتاب، كما تقول في مقدمته، هي توضيح الأسباب الكامنة وراء الخوف من «تأكيد الإنسان لذاته» وقول «لا» للآخرين. وهي تطرح بداية عدة أمثلة مثل لماذا من الصعب علينا أن نقول لا؟ ولماذا لا يكفي للتجرؤ على قول ذلك أن نحضّر أنفسنا لذلك قبل أن نتراجع؟ ما هي بالتحديد مصادر الخوف الكامنة وراء ذلك؟ ولماذا نتجرأ قول لا للبعض وليس لأفراد معنيين؟الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها تشكل موضوع كتاب «ساره فاميري» التي تؤكد أولا بأول أن لدينا جميعا الرغبة في يوم أو في آخر أن نقول لا. وهي توزّع إجابتها بين قسمين رئيسيين. في القسم الأول تجيب على سؤال: لماذا يصعب علينا أن نقول لا؟ وتجيب في القسم الثاني على سؤال: ما العمل كي نعرف «بصورة أفضل» كيف نقول لا وكيف نتجرأ على ذلك؟

القسم الأول هو إذن ذو طابع تحليلي حول الأسباب التي تكبح الإنسان وتعيقه في التعبير عن رغبته الحقيقية. وتتم في هذا الإطار دراسة «آثار الطفولة» على سلوكيات البالغين. والقسم الثاني ذو طابع «تربوي»، هذا بمعنى أن المؤلفة تقدم بعض النصائح ل«التغلب على الخوف» و«تأكيد الذات» و«امتلاك الشجاعة» لقول لا. وفي المحصلة البحث في سبل قول «لا»، ربما حيث لم يكن قد أمكن قولها من قبل أو حتى تصور إمكانية قولها»، كما تحدد المؤلفة القول.

أسباب عدم «التجرؤ» على قول «لا» عديدة، وتضع المؤلفة في مقدمتها «الخوف من إثارة خيبة الأمل» لدى الآخرين، أو «الخوف من السلطة» أو «تجنّب المواجهة» أو حتى مجرد الميل «الطبيعي» نحو عدم قول «لا» للأسرة وللأصدقاء ولربّ العمل وللزملاء، الخ.

وتشير المؤلفة أن قول «لا» للبعض، بعض المرّات، تكون له غالبا آثار سلبية. ولذلك تقدّم عددا من «النصائح» التي تطالب أولئك الذين يواجهون مواقف تتطلّب قول «لا» بالتمعّن بها. أول هذه النصائح هي «التدرّب على قول لا».

ذلك أنه ليست هناك وصفة جاهزة وقابلة للتطبيق من أجل تعلّم قول «لا». لذلك يمكن البدء بقول «لا» في مواقف لا تترتب عليها نتائج كبيرة وتتعلق بمواضيع سهلة «لا تثير القلق كثيرا. تقول المؤلفة: «عبر التدرّب التدريجي تتولّد لدى المرء الرغبة في أن يقول لا من جديد حيال مواقف أكثر فأكثر تعقيدا».

النصيحة الثانية، تتمثل في «تخمين النتائج». هذا بمعنى أن يتبصّر المرء قبل قول «لا» النتائج الإيجابية والنتائج السلبية التي قد تترتب على ذلك. ذلك بالنسبة للذي يقولها وكذلك بالنسبة لذلك الذي تقال له.

والنصيحة الثالثة هي التأكيد على ضرورة البحث عن الإجابة على سؤال: لماذا نقول لا؟ وتحدد المؤلفة القول أن الصعوبة في «إرادة التغيير» و«تعلّم قول لا» تكمن في عدم الوقوع بنفس «مسار الماضي» وبالتالي فقدان الحماس في النهاية. وتشير المؤلفة في هذا الصدد أن «ردود أفعالنا تبعا للمواقف التي نتعرّض لها تأتي من الطفولة».

والنصيحة الرابعة هي التأكيد على «أهمية الحجج المقدّمة» على الإجابة ب«لا». هذا خاصة إذا كانت العادة قبل ذلك هي الإجابة ب«نعم». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه من السهل أكثر «عادة» الإجابة إيجابيا وليس سلبيا.

ذلك أن قول «لا» يتطلّب بالضرورة تقديم حجج لمثل هذه الإجابة وشرح الأسباب الداعية لها. المفروض هو تحديد الحجج والأسباب المعنية قبل تقديم الإجابة نفسها. ذلك أن «مثل هذه الطريقة تدفع الذي تتوجه الإجابة السلبية له إلى قبولها بشكل أفضل وعدم اعتبارها كعدوان عليه».

تؤكد المؤلفة أن لكل شخص مفهومه الخاص في رؤية الأمور ويمكن أن يجهل تماما مفهوم المتحدث بها أو ربما أنه لا يدرك خبايا هذا المفهوم. وعملية اقتراح «بديل» غير الذي ينتظره المتحدث تسمح عمليا بعدم «زعزعة استقراره».

أما النصيحة الخامسة والأخيرة فتتمثل في ضرورة «الوفاء بالالتزامات التي يتم قطعها»، ذلك أن تعلّم قول «لا» يعني أيضا إعطاء قيمة أكبر لقول «نعم». ثم إن الإجابة ب«لا» أو ب«نعم» تتضمن بالضرورة التزامات فيما يترتب عليها. بالطبع تتعلق أهمية هذه الالتزامات بالموضوع وبالوضع المعنيين بها. بكل الحالات هناك التزام ب«عمل» أو «عدم عمل» أمر ما.

ثم إن جميع المحيطين بالشخص الذي يقطع على نفسه التزاما يزيد احترامهم، أو عدم احترامهم، له بمقدار درجة وفائه بالتزاماته. وليس احترامهم، له بمقدار درجة وفائه بالتزاماته. وليس احترامهم فقط، ولكن أيضا ثقتهم. تقول المؤلفة: «إن عدم التزامك بتنفيذ الالتزامات التي قطعتها على نفسك يمكن أن تكون عواقبه سيئة جدا على المدى المتوسط». بالنسبة لك وبالنسبة للشخص الذي لم تعرف كيف تقول له لا».

هذه النصائح تشرحها المؤلفة على مجمل صفحات الكتاب بطريقة واضحة ومنطقية على مراحل ثلاث يمكن التعبير عنها بالانتقال من «تحديد أسباب الخوف» إلى «تأكيد الذات» ثم إلى «قول لا».

في المحصلة تركز المؤلفة على القول أن كلمة «لا» المؤلفة من حرفين ؟ من ثلاثة حروف باللغة الفرنسية ـ يصعب قولها، أو على الأقل ليس من السهل دائما قولها. لكن تعلّم ذلك «حاسم» من أجل «إدارة الوقت بشكل أفضل».

يبقى المهم هو قول «لا» بكثير من الدبلوماسية وبطريقة «بنّاءة» وعدم نسيان أن المرء يحتاج للآخرين ولا يرغب أحد أن يواجهوا ما يطلبه منهم «سلبيا».

الكتاب: معرفة أن نقول «لا» ونتجرأ على ذلك

تأليف: ساره فاميري

الناشر: ايرول - باريس 2010

الصفحات: 951 صفحة

القطع: المتوسط

Savoir et oser dire non

Sarah Famery

Eyrolle - Paris- 2010

951p