يزداد النقاش في السنوات الأخيرة حول المسائل الخاصة بالتغيّر المناخي وسخونة الأرض. وتقام الكثير من الندوات والمؤتمرات الخاصة والدولية حول هذا الموضوع. والأستاذ الجامعي الأميركي «بول ن. إدواردز» يقدم في هذا السياق كتابه الجديد تحت عنوان «آلة عملاقة».
من الملفت للانتباه أن هذا العمل يأتي متزامناً مع حدثين مهمين حول المناخ ألقيا الكثير من الشكوك حيال الإجماع القائم بالنسبة ل«التغيّر المناخي». الحدث الأول هو الكشف عن أن علماء من مستوى رفيع يعملون في إطار البحث عن التغير المناخي في أميركا قد «حجبوا» معلومات تخص طريقة عملهم ومصادر معطياتهم.والحدث الثاني اعتراف مجموعة من خبراء الأمم المتحدة العاملين في حقل دراسة تغيّر المناخ أن تأكيدهم على ذوبان جبال الجليد في الهملايا، كما جاء في تقريرهم العلمي لعام 2007، إنما هو تأكيد خاطئ. المشككون في مقولات التغيّر المناخي وجدوا في هذا برهاناً إضافياً على أن القبول العام الراهن بحقيقة مثل هذا التغيّر إنما يقوم على أسس واهية وهشّة في الواقع.
مؤلف هذا الكتاب «يأخذ علماً» بمثل هذه الآراء، كما يشير في مقدمته، ولكنه يبيّن الأسباب التي تدعونا إلى التشكيك، ليس بحقيقة التغيّر المناخي ولكن بالأحرى في أطروحات المشككين بهذا التغيّر.
ويبدأ أولا بسبر الطرق التي تعلمها البشر فيما يخص الأحوال الجوية وتغيّرات المناخ. وهو يعود في «تحقيقه» المناخي إلى أحداث جرت منذ أكثر من قرن من الزمن.
ويحدد المؤلف القول ان دراسة ظواهر التغيّر المناخي على المستوى العالمي تمثل تحدياً حقيقياً، مثل جميع العلوم «غير المخبرية». ذلك أنه من الصعب وصف هذه الظواهر وشرحها أو توقع مساراتها المستقبلية بسبب طبيعة سلوك المنظومات الكبرى و«الديناميات» البيولوجية-الفيزيائية. وهذا ما يعبر عنه ادواردز بالقول «إنكم لا تستطيعون دراسة المنظومات العالمية بطريقة تجريبية، إنها هائلة الضخامة وشديدة التعقيد».
من هنا أيضاً تأتي أهمية الجهود من أجل إعطاء معنًى «ذي مصداقية» للزمن وللمناخ. ويعود المؤلف للحديث عن الأفكار التي طرحها الباحث الإنجليزي «جون روسكين» في القرن التاسع عشر عن «الآلة العملاقة» التي ينبغي أن تتعامل مع منظومات متنوعة وتجمع المعطيات وتحللها وتتحقق من صحتها وتتخلّص من الشوائب فيها وصياغة «أفكار مستقبلية» بالاعتماد على هذا كله ولا يتردد المؤلف في القول انه بعد أكثر من 170 سنة على مقولات «روسكين» يبقى «المجاز» الذي استخدمه عن «الآلة العملاقة» قابلاً للحياة.
ذلك أننا أمام حالة عالمية حقيقة وكمّ هائل من المصادر المهمة جداً والمعقدة جداً المطلوبة لفهم الأحوال الجوية وتغيرات المناخ. والمؤلف يشرح كيف تطورت «الآلة العملاقة» التي تصورها روسكين من أجل إعطاء معنى للشروط المناخية على المدى القصير وللتوجهات المناخية على المدى الطويل.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب «منظّم» حسب نوع من التسلسل الزمني في 15 فصلا. الفصل الأول منها مكرّس ل«عرض» تاريخي لمختلف المقولات والحجج التي عرفها العالم الأنكلوسكسوني خاصة حول مسائل المناخ وتغيراته.
والفصول من الثاني حتى الخامس تحتوي توصيفاً ل«التوقعات المناخية» الخاصة بالأحوال الجوية وعلم المناخ منذ البدايات وحتى عام 1945. ثم فصلان يدرسان المواضيع نفسها خلال سنوات 1945-1970.
والفصول من الثامن حتى العاشر يدرس فيها المؤلف آليات إيجاد نوع من البنية الأساسية المكرّسة للمعلومات المناخية. يلي هذا فصلان لشرح آليات التحوّل من مستوى «التنبؤ المناخي» إلى «علم المناخ» اعتباراً من سنوات الثمانينات المنصرمة.
والفصول الثلاثة الأخيرة تخص تحديداً المرحلة الراهنة حيث يتم تبيين الكيفية التي قام فيها علم التغيّر المناخي بتزويد السياسات العامة بمعلومات اعتباراً من قمة الأرض التي نظمتها الأمم المتحدة عام 1992، وكذلك الكيفية التي تمّ على أساسها «تسييس» هذا العلم، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية.
إن الخط الناظم في تحليلات هذا الكتاب يتمثل في دراسة العلاقة بين «المعطيات» المتوفرة وبين النماذج «الموديلات» التي تمّت صياغتها اعتماداً عليها. ويصل المؤلف إلى القول ان عوامل كثيرة تتدخل في صياغة المفاهيم المتعلّقة بالمناخ.
وليس مستبعداً أن يتم «تشويه الطريقة التي تعمل فيها علوم الأحوال الجوية والمناخ». هكذا تغدو المعلومات الخاصة بالمناخ العالمي قائمة هي الأخرى في أحيان كثيرة على «معطيات» لا تتسم بقدر كبير من العلمية.
ومن الأفكار التي تتكرر بأشكال مختلفة على مدى صفحات هذا الكتاب التأكيد على صعوبة بناء معارف صلبة حول الشروط المناخية وتوجهات التغيّر المناخي في الماضي والحاضر والمستقبل.
يكتب المؤلف «من أجل توصيف العديد من الأوضاع التي جرى فيها جمع معلومات مناخية لأغراض محددة وفي سياق زمني محدد ينبغي أن تكون مفيدة بصيغة ما في مستوى لاحق من التاريخ بالنسبة لآخرين تختلف احتياجاتهم تماماً». معلومات «مفيدة» ولكنها ليست «صلبة» بدرجة كافية لصياغة مفاهيم ثابتة حول التغيرات المناخية.
لكن هذا لا يمنع المؤلف من القول إن مختلف التجارب التي يتعرض لها بالتحليل تشهد على الجهود «شبه البطولية» التي عرفها القرن الماضي والتي قدّمها الآلاف من البشر في مختلف أنحاء العالم لجعل مسائل «المناخ» مفهومة أكثر فأكثر.
ولعل كتاب «الآلة العملاقة» يقدم التوصيف «الأكثر اكتمالا» عن إنجازات علوم الجو والمناخ. ولعل «النصائح» المقدّمة فيه ذات فائدة فيما يخص قرارات القادة السياسيين ومستقبل الجنس البشري.
الكتاب: آلة عملاقة
تأليف: بول ن. ادواردز
الناشر: معهد مازوسوشت التكنولوجي 2010
الصفحات: 825 صفحة
القطع: المتوسط
A vast machine
Paul N. Edwards

