المياه هي مصدر الحياة في العالم وحاجة جميع الكائنات الحية لها ليست بحاجة إلى برهان. والأستاذ في جامعة هارفارد و«بيتر روجرز» والباحثة بشؤون المياه «سوزان ليل» يقرعان جرس الإنذار حيال «شحّ المياه» كما جاء في عنوان كتابهما المشترك.
الخطوة الأولى في التعرّض لمسألة «شح المياه» في هذا الكتاب تتمثل في رسم الواقع المائي في العالم اليوم حيث تتم الإشارة أنه رغم المساحة الشاسعة التي تحتلّها المياه من كوكبنا الأرضي فإن نسبة 3 بالمئة فقط من المياه هي صالحة للشرب.لكن هذه النسبة الضئيلة لم تمنع واقع الإسراف الذي يمارسه البشر في استخدام هذه المياه. وتعادل نسبة معدّل الاستهلاك الفردي في العالم سنويا إلى ما يعادل «مسبح أولمبي». وتتم الإشارة في هذا السياق أنه في نهاية هذا العقد حيث يبلغ عدد سكان العالم حوالي 8 مليارات نسمة ستتم مواجهة أزمة شح كبير في مصادر المياه.إن مؤلفي هذا الكتاب يحاولان رسم منظور مستقبل المياه، أو ما يسميانه ب«أزمة المياه» وتحديد الأماكن التي يمكن لهذه الأزمة أن «تنفجر» فيها.
ويركزان في هذا الإطار على تبيين «مغالطات» فكرة سائدة مفادها أن المياه تمثل ثروة متجددة ولكنها «محدودة». وبالتالي هناك خديعة كبيرة في الاعتقاد أنه يمكن إنتاج كميات أكبر منها باستمرار.
ويشرح المؤلفان أيضا عددا من التقنيات الجديدة التي يمكنها أن تحدث «ثورة» على صعيد استهلاك المياه. هذا إلى جانب محاولة تشجيع «روح المسؤولية» لدى الأفراد والمنظّمات على مختلف المستويات بحيث يتم السهر على صون الثروة المائية. كذلك محاولة تحديد دور الحكومات ومسؤوليتها في مجال الاستثمار بالبنى الأساسية المكرّسة للمحافظة على المياه.
ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في هذا الكتاب التأكيد على أهمية النتائج المترتبة على الزيادة السكانية وأثرها على الثروات الطبيعية وعلى التنمية البشرية. كذلك التأكيد على أهمية التوصل إلى حل النزاعات في مناطق الثروات المائية بالعالم.
هذا إلى جانب تحسين طرق إدارة الموارد المائية وخطط التنمية بحيث تتم معالجة كاملة تدمج بين الظواهر الطبيعية ومسائل الرقابة التقنية. ذلك أن مختلف التبدلات العامة لها بالضرورة آثارها على مصادر المياه في العالم.
إن هذا الكتاب يقدّم نظرة معمقة على أزمة المياه في العالم ابتداء من الشاطئ الغربي للولايات المتحدة حيث جرى تحويل مياه الأنهار الكبرى نحو الزراعات في كاليفورنيا وحتى جنوب الهند حيث المياه متوفرة لكن البنى الأساسية المطلوبة لتوصيلها محدودة أو غير موجودة. وفي مختلف الحالات المطروحة يقترح مؤلفا الكتاب حلولا على القادة السياسيين وتوصيف الأدوات التكنولوجية الضرورية من أجل تأمين التزوّد بالمياه.
ومن الواضح أن المؤلفين استهدفا في كتابهما جمهورا عريضا من البشر العاديين ومن المنظمات وقدّما بالمقابل كمّا كبيرا من الحلول لتوصيل المياه إلى «المناطق الصعبة» ولإعادة استخدام المياه المستعملة. كما يستهدف المؤلفان بعملهما الدوائر الحكومية المكلّفة بكل ما يتعلّق بتوصيل المياه إلى الجمهور العريض مع شرح الإجراءات المطلوبة لضمان «أمن» المياه.
ويتم التأكيد أن هناك إمكانيات تقنية معروفة ومتوفرة تحقق هامشا كبيرا من هذا الأمن. والتأكيد خاصة على «قنونة» استخدام المياه في الإنتاج الزراعي المكرّس للتغذية. وفي بلد مثل الولايات المتحدة تمثل الزراعة «صناعة هامة» وهي الأكثر استهلاكا للمياه العذبة.
تتم الإشارة أن مثل هذه الظاهرة تتكرر إلى هذه الدرجة أو تلك في جميع أنحاء العالم. كذلك تتم الإشارة في هذا الإطار إلى وجود تكنولوجيات تقتصد كثيرا من كمية المياه الضرورية للزراعة لكن أغلبية المزارعين لا يستخدمونها بل يستمرّون بالتصرّف «حسب العادة».
بكل الحالات يؤكد المؤلفان أن هناك ضرورة فورية وملحّة لفرض إستراتيجيات تهدف إلى تقليص كميات المياه العذبة المستخدمة في الزراعة.
ومن المظاهر الأساسية و«العالمية» لمشكلة المياه يؤكد المؤلفان على التأثير السلبي الكبير على أنماط العيش في مختلف المجتمعات، هذا خاصة في إطار العولمة السائدة. ذلك أن شح المياه ليس بعيدا عن انتشار بعض الأوبئة وعن ندرة المواد الغذائية وعن تراجع التنمية الاقتصادية. ثم إن شح المياه يمكن أن يكون السبب المباشر، أو السبب العميق لنشوب بعض النزاعات والحروب الإقليمية.
ويتم التأكيد في المحصلة النهائية على أهمية أن يولي الجمهور العريض انتباهه لمشكلة شح المياه، ذلك أن هذا الانتباه يدفع رجال السياسة وأصحاب القرار للاهتمام بها والاستماع لمطالب الجمهور العريض.
ويرى المؤلفان أن العقبة الكبرى التي تمنع الأميركيين من اتخاذ إجراءات فعالة من أجل ضمان «الأمن المائي» على المدى الطويل تتمثل، أي العقبة، بتردد الساسة عن طلب التمويل الضروري للرد على التحديات التي تطرحها مشكلة المياه.
لكن إذا كانت أميركا تمتلك هامشا زمنيا قبل مواجهة أزمة مائية على صعيد كبير، فإن مثل هذا الهامش ضيق جدا، هذا إن لم يكن معدوما، بالنسبة للعديد من مناطق العالم، من بينها الشرق الأوسط.
ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب هو انه مكتوب بأسلوب سهل وبسيط ويسمح بفهم الأزمة العالمية للمياه، ونداء من أجل التحرّك... وبسرعة خيالها.
الكتاب: شح المياه
تأليف: بيتر روجرز، سوزان ليل
الناشر: بلغراف مكميلان - لندن نيويورك - 2010
الصفحات: 652 صفحة
القطع: المتوسط
Running out of water
Peter Rogers, Susan Leal
Palgrave MacMillan - London- New York- 2010
652 p

