يبين الدكتور ناصر الحكيم في كتابه، أن شكيب أرسلان عاش في فترة حافلة بالأحداث السياسية الكبرى، شهدت تطورات هامة، عصفت بالسلطنة العثمانية في أواخر عهدها، إلى جانب نمو وتطور الحركات الوطنية العربية التي كانت ترزح تحت سطوة الاستعمار الغربي، وخصوصاً الفترة ما بين الحربين العالميتين.

وخلال مجمل هذه التطورات ارتبط أرسلان ارتباطاً عضوياً بالقضايا المطروحة، فتركت جملة الأحداث بصماتها الواضحة على حياته ونشاطه ومجمل تفكيره السياسي.

ويحدد مؤلف الكتاب الغاية من كتابه في الكشف عن أبرز نشاطات الأمير شكيب أرسلان، العملية والسياسية، في فترة تتجاوز نصف القرن (1887 - 1946)، وتبيان الجذور الفكرية والثقافية لهذه المواقف، وما انتهى إليه الجدل النظري والعملي، الذي شكل نسيج حياته السياسية، من أفكار وآراء ووجهات نظر. وهذا يقتضي التوقف عن عدد من المحطات السياسية، من جملة محطات عديدة، كان للأمير شكيب أرسلان فيها مواقف وكتابات.

من خلال عرض أهم المحطات النضالية الأرسلانية، لبنانياً وعربياً وإسلامياً، بدءاً من انطلاقة أرسلان من لبنان وعمله السياسي المتدرج فيه، ثم دوره كعربي في السياسية العثمانية، وموقفه من القوميين العرب، ومن الثورة العربية الكبرى إبان الحرب العالمية الأولى، والدور المهم الذي شغله خلال تلك الحرب.

ويسجل لشكيب أرسلان عدم دخوله في نقاشات دينية طائفية، بل كان يأخذ بالمنحى الإسلامي العام ضمن المنهج الذي اختطه الأفغاني وعبده ورشيد رضا وغيرهم من الإصلاحيين الإسلاميين. وكان مدافعا شرسا عنيدا عن أهلية الإسلام وقابليته لكل عصر وزمان، مؤمنا بحرية الاجتهاد ضمن القرآن الكريم، هذا القرآن الذي أعجز كل من كتب بلغة الضاد.

ويعتبر المؤلف أن أرسلان كان رجل سياسة عملية أكثر مما كان مفكراً سياسياً نظرياً. وكانت مقالاته الصحفية المنتشرة بكثرة على صفحات العديد من الجرائد والمجلات، ولاسيما في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وسيلة ناجحة للتعبير عن موقفه السياسي، وطريقة مفيدة للوصول إلى قلوب وعقول مؤيديه العرب والمسلمين، في فترة خيم الاستعمار بظلاله العسكرية والسياسية على معظم البلاد العربية والإسلامية.

وقد مثّل العداء الاستعماري الأوروبي نقطة أساسية في فكر أرسلان، حيث كانت أوروبا بالنسبة إليه عدوا لا ينبغي أبدا الركود إليه والقبول بأعماله، وإنما ينبغي دوما العمل مواجهته بشتى الطرق. ولعل أول عمل التزم به كان اشتراكه الفعلي في الحرب الليبية الإيطالية 1911 - 1912.

حيث بقي أكثر من ثمانية أشهر في الجبل الأخضر، يساند المقاتلين الليبيين ضد الهجمة الاستعمارية. أما دفاع شكيب أرسلان عن فكرة الوحدة الإسلامية تحت اللواء العثماني، فإنه لم يكن عملا نظريا خالصا. لأن الرجل كان حليفا مخلصا قويا للسلطنة.

ورأى أن وحدة السلطنة والدفاع عنها أمر ضروري وأساسي. وتجد جدلية الفكر والعمل ضد الاستعمار متحققة لدى أرسلان في موقفه إبان الحرب العالمية الأولى، إذ وقف في صف العثمانيين ضد دول الحلفاء.

وشارك عمليا بنشاط واسع في هذا الصدد. وكانت المشاركة هذه المرة مشاركة عسكرية وسياسية أيضاً. ومن جهة أخرى، فقد شكل الإسلام حلقة دائمة الوجود في جدلية الفكر والعمل لدى أرسلان، فالإسلام في فكره كالعمود الفقري في الجسم، مركز الثقل الرئيسي، وهو أمر ميزه عن غيره من المفكرين العرب، والقوميين منهم بوجه خاص.

ويعتبر المؤلف أن كل جدلية الفكر والعمل لدى أرسلان تمرّ عبر الإسلام في وجهه النهضوي، السياسي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي والعلمي. فجدلية التخلف والتقدم تمرّ عبر العودة إلى الإسلام، وعدم ربط التخلف به، بل ربطه بالتخلي عنه.

حيث يغدو الإسلام وسيلة أساسية للمسلمين، للحاق بالأمم المتقدمة، في حين يستبعد أرسلان إمكانية قيام نهضة إسلامية دون الانطلاق من الإسلام، الذي كان سبب نهضة العرب في القرون الماضية، والذي سيكون السبب في النهضة المقبلة. أما قيام نهضة في البلاد الإسلامية من دون الانطلاق من الإسلام فهو يعني أن المسلمين تركوا دينهم.

ويمكن القول إن الإسلام مثّل لأرسلان وسيلة للدفاع عن النفس، والاحتفاظ بالهوية المميزة، ومنع ذوبان المسلمين في الحضارة الأوروبية القادمة. وأما في ميدان الكيان السياسي، رغم تحوله من فكرة الجامعة الإسلامية إلى فكرة القومية العربية، فإن الكيان بقي لدى أرسلان كيانا يتمشى على أصول الإسلام، وحاول في شروحاته إثبات أن الإسلام يمكن تطويره بشكل يلائم الحياة العصرية الجديدة، ونفى بالتالي فكرة الجمود والتحجر عنه.

عارض شكيب أرسلان انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913، بدعوى الحفاظ على وحدة الدولة العثمانية وكيانها، وعليه دعته الدولة العثمانية عدة مرات كان آخرها للمشاركة في افتتاح مجلس المبعوثان.

ومن على منصة مجلس المبعوثان دعا إلى تطوير الدولة العثمانية بإقامة شبكة واسعة من خطوط سكك الحديد، وإلى إصلاح الخلل الذي تعاني منه أجهزتها الإدارية. ولم يهمل الجانب المعاشي المتدني للمواطنين، حيث طالب بإصلاح النظام الضريبي للدولة، وتوزيع الأراضي على الفلاحين مقابل بدل نقدي رمزي.

وبعد انهيار الدولة العثمانية، وخضوع بلاد الشام للاحتلال الغربي، اعتبر الأمير شكيب الوحدة العربية البديل القوي للحفاظ على كيان الأمة العربية، وبدأت تتسرب المفاهيم القومية إلى فكره منذ بداية عشرينات القرن العشرين، وأصبحت القضية السورية ؟

الفلسطينية شغله الشاغل في أوروبا وفي المحافل الدولية، وسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1927 للمشاركة في مؤتمر «حزب الاستقلال» السوري الذي عقد في مدينة «ديترويت» في العام ذاته.

الكتاب: جدلية الفكر والعمل عند الأمير شكيب أرسلان

تأليف: د. ناصر الحكيم

الناشر: الدار التقدمية بيروت 2010

عدد الصفحات: 311 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش