يؤكد الباحث، جلال ورغي، أنه وعلى الرغم من أن التحولات الحاصلة في الأناضول لا تزال معرضة لهزات متوقعة وأخرى غير متوقعة، على صعيد العلاقة بالصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي الداخلي، تبقى تركيا نموذجا مثاليا جديرا بالاقتداء والأخذ به من قبل العرب، وذلك في مختلف المجالات، سواء الفكرية أو فيما يتعلق بسياستها الخارجية الجديدة، لاسيما في ظل وجودها في أكثر المناطق الملغومة بالصراعات.

لكن مع ذلك فإن هذه التجربة برزت فيها مشاهد تحولت مع الوقت إلى معالم بارزة، وخاصة أن هذا البلد يمثل نموذجا حيويا وفريدا في امتحان واختبار دور الإسلام في الحياة السياسية، وخاصة بعد تحول الإسلام السياسي داخل أنقرة إلى قوة أساسية في هندسة الحياة السياسية الداخلية والخارجية لإسطنبول. فبعد عقود طويلة من العلمنة التي ناهزت 80 عاما، يجد التيار العلماني في تركيا نفسه اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، مثارا للجدل، إذ إن المبادئ التي قادت جهود أتاتورك كانت تبدو ناجعة في تلك الحقبة التاريخية التي كانت تمر بها البلاد، غير أنها تحولت تدريجيا إلى عوائق أمام مزيد من ترسيخ الديمقراطية في البلاد، لاسيما بعد أن حرصت الدوائر القيادية المتحكمة في إقامة سياساتها، على تأويل وتفسير استبدادي لتلك القيم الكمالية، بدلا من التأويل الليبرالي.

ويلفت المؤلف إلى أنه أمام هذه التجربة في الديمقراطية المنقوصة كان الصعود الإسلامي في تركيا يشهد تصاعدا ملحوظا، وذلك نتيجة عوامل عديدة، أهمها: إعادة اكتشاف العادات والتقاليد، جمود الإرث الكمالي وانتشار شبكة من المعاهد والمدارس الدينية التي تقدم الرعاية، صعود طبقة متدينة منفتحة، بالإضافة إلى موجة النزوح الكبيرة باتجاه المدن.

ويشدد ورغي على أن الثورة الكمالية بقيت محصورة في المدن والمناطق الحضرية، في حين ظلت الأرياف والكثير من المناطق غير معنية تماما بهذه التحولات، ما مهد لنوع من «الثقافة المضادة« التي وجدت خارج المدن الكبرى، في رد على عملية التهميش والإقصاء عن الفضاء السياسي.

ومن هنا فإنه، برأي الكاتب، لا يجب النظر للصراع السياسي في تركيا على أنه صراع بين «إسلاميين» و«علمانيين»، فهذا الاستقطاب هو وجه لصراع قوى بين نخبة وقطاعات اجتماعية جديدة صاعدة، مع نخبة علمانية. استقطاب بين «الهامش» وبين «المركز»، ويعود بجذوره العميقة إلى تاريخ الإمبراطورية العثمانية، ومن بعدها الكمالية الحديثة.

وهذا دون أن يكون ذلك صراعا طبقيا أو جهويا، كما هي حالت حزب العدالة والتنمية الذي يضم تشكيلات اجتماعية وثقافية واقتصادية مختلفة، حيث يضم المحافظ والليبرالي، كما يضم الإسلامي والعلماني والملتفت شرقا وغربا، في تركيبة مميزة، تجمع بينها الرغبة في التغير وخروج تركيا الحديثة من صورتها النمطية التي ارتسمت على مدى 80 عاما، وبدت اليوم عقيمة وكابحة لهذا البلد الطموح عن الانطلاق والتحرك كقوة معتبرة على الصعيد الإقليمي والدولي.

ف«حزب العدالة والتنمية «بات يمثل بشكل من الأشكال، ما يمكن أن نطلق عليه حزب «ما بعد الإسلام السياسي»، وهو حزب يصنف كجماعة متعددة، تمثل تركيبة فريدة من الإصلاحية والمحافظة، التي تجاوز حدود الطبقات الاجتماعية.

وبعد تناول ورغي لدور تركيا الأردوغانية، يناقش الهدف من دراسته، وهو البحث عن النموذج التركي وعلاقته بالعرب بين جاذبيته كمنوال واستعصاءاته كواقع، حيث يرى انه لا بد من التنبيه إلى أن الحديث عن «منوال» أو «نموذج» لا يعني بالضرورة تمثل أو استلهام التجربة بشكل حرفي وسطحي، تمثلا يتجاهل معطيات الواقع.

ولا يميز في التجربة المحتذاة بين الثابت فيها والمتغير، لكون الأنموذج يعني في ما يعني التوقف عند التجربة المعنية، وفهم مساراتها واستيعاب دروسها وعبرها، دون تحمل أعبائها المتعلقة بخصوصياتها المحلية. وتمثل تجربة الحركات الإسلامية في العالم العربي وما اعترضها من تحديات ومطبات لا تزال تعاني منها إلى اليوم، ظاهرة مدعاة للتوقف عند «الأنموذج التركي».

فالكثير من الحركات الإسلامية العربية تعاني مأزقا تاريخيا، قد لا تكون مسؤولة عنه بمفردها. ولكن لا شك أن في مساراتها ونهجها بعض الخلل. ويبين المؤلف أنه لعل أبرز هذه المآزق، العلاقة المتوترة مع الدولة، فعلى الرغم من أن هذه الحركات في أغلب الفترات كانت غير مسؤولة بشكل مباشر عن تفجر هذه الصراعات الدامية مع الدولة، إلا أنها كثيرا ما كانت تستدرج بسهولة لمنازلة الأنظمة.

بالإضافة إلى أن مقولات الاستخلاف والتكليف والحاكمية والبحث عن نموذج عماده الدولة الإسلامية، إنما يجب النظر إليها بكونها أهدافا وضعت في ظروف تاريخية صعبة مر بها العالم الإسلامي، خلال العقود الماضية.

وهي أيضاً ثمرة الآفاق المسدودة التي وجد هذا العالم نفسه قبالتها منذ سقوط دول الإسلام، وتدخل الدول الغربية في إعادة تشكيل العالم العربي والإسلامي، بغرض الهيمنة عليه والتحكم فيه.

الكتاب: الحركة الإسلامية التركية

تأليف: جلال ورغي

الناشر: مركز الجزيرة - للدراسات - الدار العربية للعلوم ناشرون 2010

الصفحات: 140 صفحة

القطع: المتوسط

محمد تركي الربيعو