يوضح المؤلفان في كتابهما، أن المدرسة الأولى، وهي(مدرسة الديوان) مجَّدت القديم والموروث واعتنت به وأَوْلَت اللغة والانضباط بالقواعد أهمية بالغة، ولم تنحدر إلى هموم الشعب ولغته الدارجة، بل تركت ذلك للفنون الشعبية. وقد كانت هذه المدرسة متأثِّرة بالشعر الفارسي والعربي على وجه الخصوص، فكثير من أوزان أشعارها يقترب أو يطابق أوزان الشعر العربي.

وهذه المدرسة تعرَّضت للهجوم من قبل الحداثويين رغم أنها حافظت على هوية الأمة التركية وعلى لغتها وقواعدها. وأما المدرسة الثانية: (مدرسة التنظيمات) أو أدب التنظيمات، فهي تعتبر بمثابة البذرة الأولى لانبثاق الشعر التركي الحديث الذي أخذ ينفصل عن مدرسة الديوان وقوالبها، وقد انفتحت هذه المدرسة على الغرب الأوروبي وبخاصة الشعر الفرنسي وأخذت عنه.كما اعتمدت على وزن (الهجا) وأحيته، وهو وزن يعتمد على المقاطع الصوتية، ويُعتبر العروض القومية الخاصة بالشعر التركي. وبذلك تكون مهدت لترسيخ شعر تركي يتمتع بشخصية مستقلة عن الشعر الفارسي والعربي.

ومن مزايا هذه المدرسة أنها فتحت عقول الناس على ما يحيط بها من ثورة حضارية واجتماعية وصناعية، كما عالجت موضوعات جديدة وأولتها أهمية بالغة كمسألة الفقر والتشرد والظلم الاجتماعي والاقتصادي وبلغة أدبية بسيطة ومفهومة.

ويبين الباحثان أنه بدأ شعراء (مدرسة الديوان) يؤسِّسون مرحلتهم في القرن الثامن عشر على يد الشاعر(نديم)، والتي خرجت منها مدرسة التنظيمات، التي يعتبر الشاعر نامق كمال 1840-1888 أبرز شعرائها وأحد روادها، إلى جانب الشعراء:

رجائي زادة أكرم 1847-1940. وعبد الحق حامد 1852-1959، حيث استطاعا أن يخلقا معاً صوتا وشكلاً جديدين انفصلا بهما عن شعراء مدرسة الديوان وقوالبها الجامدة، فكوَّنا تياراً شعرياً مختلفاً أطلق عليه اسم «ثروت فنون».

والذي سينضم إليه الشاعر توفيق فكرت 1867-1915 الذي كان أكثر جرأة في كسر قوالب الشكل والمضمون التي اعتادت عليها مدرسة الديوان، معتمداً على لغة الحديث اليومية للناس، بحيث مسَّت أشعاره قلبَ وعقلَ الأمة التركي الثائر على القيم، وهو برأي المؤلفين من ألمع وأهم الشعراء العالميين الذين ظهروا في الـ 200 عام الأخيرة. إلى جانب شعراء مثل محمد أمين يورضا قول 1869-1944 ومحمد عاكف 1873-1936 والشاعر (أشرف) 1846-1912.

وفي الربع الأوَّل من القرن العشرين صار الشعراء الأتراك يستخدمون لغة شعرية أكثر ذاتية ورومانسية، وأصبحوا يفضِّلون استعمال الأسلوب الغنائي العاطفي، وكذلك استعمال اللغة التركية المتداولة في الحديث، وتفضيل وزن (الهجا).

كما ازداد التركيز على موضوعات مثل العشق والغربة والوحدة والموت وحب الوطن ومشاكل الشعب، ومن أبرز شعراء هذه المرحلة فاروق نافيز جاملي بل (1898-1973)، وعلي ممتاز أرولات ونجيب فاضل قصا كورك ( 1905-1983 ).

وكمال الدين كامو (1901-1948) وعمر بدر الدين أوشاقلي(1904-1946) الذي استطاع أن يترك بصمة مهمَّة على شعر هذه المرحلة ليتجاوزها، ويمتد أثرها في ما بعد على الشعر التركي الحديث.

وفي الربع الثاني من القرن العشرين ظهرت أسماء شعرية مثل جاهد صدقي تارانجي ( 1910-1956 )، وناظم حكمت (1901-1963) الذي ظل يكتب الشعر حتى بعد دخوله السجن عام 1938، بحيث ترك أثراً كبيراً في نفوس جيل كامل من الشعراء اليساريين الذين استأنفوا مسيرته، ومن أشهرهم:

إلهامي بكيرتز (1956-1984) وحسن عز الدين دينامو ( 1909-1989) وغيرهما، وقد تعرَّض هؤلاء لضغوط سياسية ولملاحقة الدولة لهم بسبب نشاطهم اليساري، وكانت أفرزت هذه المرحلة ثلاثة شعراء مميَّزين: أورخان ولي، أوقطاي رفعت، مليح جودت.

الذين نشروا مختارات من أعمالهم الشعرية معا في مجلة «الغريب»، وأعلنوا آنذاك وبصراحة معارضتهم وخروجهم على نظام الوزن والقافية، وتمردهم على الشكل التقليدي للقصيدة التركية، وقد لعبت مجلة «الغريب» دوراً كبيراً في نشر الأشعار المشبعة بالأفكار الاشتراكية، والتي اتَّضح من خلالها تأثُّر شعراء ذلك الجيل من الأتراك بالتيار الرومانسي والشعر الفرنسي.

ثمَّ يعتبر المؤلفان أنَّ الربع الثاني من القرن العشرين ختم بظهور شاعرين يساريين متميزين: نيازي أقنجي أوغلو (1916-1979) وأحمد عارف (1937- 1991)، حيث تميَّزا باستخدام لغة محلية وألوان قومية.

وفي الخمسينات وما تلاها ظهر عدد من الشعراء، مثل ضيا عثمان (1910-1957)، عزيز نيسين (1915- 1995)، عطا الله إيلخان، تورجوت أويار، أديب جان سفر، بهجت نجاتي، إيلخان برك، إجه إبهان، جمال ثريا.

ويلفت المؤلفان إلى أنه، ورغم كل ما قدَّمه الشعراء الأتراك، فإنَّ ناظم حكمت يجيء على رأس هؤلاء الشعراء الذين جمعوا وألَّفوا ما بين الثقافة الشعبية، والأدب المحلي التركي.

الكتاب: معجم الشعراء الأتراك المعاصر

تأليف: د. مراد مولوي وأحمد اليوسف

الصفحات: 587 صفحة

القطع: المتوسط

أنور محمد