ركزت الدراما العربية على الاهتمام بعدم التناول الصادق والواقعي لما تعرضه وتعالجه من أنماط شخصيات، من خلال نمذجتها بإطار من المثالية اللامنطقية، كما يحدث في تناول شخصية رجل الشرطة الحريص دوما وأبدا على تحقيق العدالة أو بتقديمها في إطار مهلهل أو متحامل كما يحدث مع نماذج أخرى، كما في تناول شخصية المحامي أو الصحفي.

ولعل هذا الإطار ينطبق أيضا على تناول شخصية الفنان التشكيلي، الذي يقدم غالبا في إطار من الخيالية التي تصطدم كثيرا مع واقعية هذه الشخصية.لعل شخصية «عيسوي» التي جسدها الفنان أحمد راتب في فيلم «يا رب ولد» تعتبر توصيفا ملخصًا لرؤية السينما للفنان التشكيلي، فصورته بأنه إنسان بوهيمي، لا يستحم، ويكاد يقترب من صورة المجذوب صاحب الملابس البالية، فهو فاشل رغم أنه يتاجر باسم الفن ويروِّج لفكرة الخلاص من المجتمع المادي عبر الفنون التي لا يمسَّها من قريب أو بعيد، فيعيش غير مهتم بمظهره، معتبرًا نفسه عبقرية نادرة، وربما ظاهرة وعبقرية عصره وكل العصور السابقة واللاحقة، فيريد أن يتزوج من ابنة ثري بمؤهلات عبقريته التي لا هي نادرة ولا موجودة أصلا.

إذا هكذا تعاملت الدراما مع شخصية الفنان التشكيلي، رغم أنه واحد من المشاركين في صنع الحضارات منذ العصور الفرعونية والسومرية والبابلية والقبطية والعصر الإسلامي، فهذا الفنان الذي رسم على جدران المعابد، ونحت التماثيل في بطون الجبال، نجده يصور على أنه معتوه، وبالتالي أصبحت الفنون تضرب بعضها بعضًا، وهذا ما يؤدي بطبيعة الحال إلى الهدم المقصود لقيمة هذا المبدع. خطوط حمراء وبنظرة سريعة إلى ما قدمته السينما والدراما في هذا الإطار، نجد أن هذه الصورة البائسة تزداد قبحًا يومًا بعد يوم، وما زالت الفجوة تتسع، فهو شخص مهمَّشٌ، محارَبٌ من المؤسسات الدينية والحكومات المتشددة باعتباره كافرًا، حتى لو لم تتعارض أعماله مع الدين أو السياسة، لكن الخطوط الحمراء تقف أمامه بالجملة، حتى أصبحت الذائقة العربية معطّلة نحو هذا النوع من الفنون، بعكس المجتمعات الغربية التي تترك أمام المبدع مساحات أكثر رحابة، وتعامله بما يجب أن يُعامل به من هو مثله.

ومنذ عدة عقود أصبحت نظرة المجتمع للمقبل على دخول كلية الفنون الجميلة نظرة المرتد عن دينه أو الزنديق؛ لأنه ينحت التماثيل والأوثان، وساعد على ترسيخ هذه النظرة موقف الدراما الساخر من هذا الفنان التشكيلي المصوَّر على أنه مجنون وغريب الأطوار وغير مهندم وأقرب إلى الجنون، لكن أهل الفن التشكيلي ما زالوا يحلمون بنظرة واقعية لفنهم الراقي.

أشباح

بحسب العديد من المعنيين بالدراما العربية، ساعد الإعلام في تصوير الفن التشكيلي بشكل كاريكاتوري مهين، بالرغم من استئثار الأمة العربية بثلاثة أرباع الآثار والقصور والتراث الجمالي الذي تفتقده أية أمة أخرى، وتعمَّد الإعلام تجاهل ما كان يحدث في الماضي من منح حكام الفراعنة الألقاب والتكريمات الشرفية للفنانين التشكيليين، كذلك تجاهل ما كان يفعله أيضًا الحكام المسلمون في الدولة الفاطمية والأيوبية والعثمانية من تطوير لهذا الفن حتى يصل إلينا بتلك الصورة.

ولم يتم الانتباه إعلاميًا أو سينمائيًا لقيمة هذا الفن، وتم التركيز فقط على غموض هذا العالم، وأن لوحات الفنانين وأعمالهم غير مفهومة، وكأنها أشباح لا يجب أن يفهمها أو يقترب منها أحد.

فهذه الصورة التي ظهر عليها الفنان التشكيلي في فيلم «بالألوان الطبيعية»، والتي جعلت طلاب كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة ينظمون وقفات احتجاجية متكررة؛ بسبب الصورة التي ظهر عليها أبطال الفيلم، مطالبين بمنعه من العرض في دور السينما، لأنه يسيء إلى واقعهم ويمثله على أنه عالم فاسد من شياطين وشهوات، وقدمت السينما أيضًا صورة الفنان التشكيلي، سواء رسام أم نحات في صورة غريبة جعلت الشخصية تدور في فلك كوميدي أو رث غامض، وإن كان الجنون هو الشكل السائد لهذه الشخصية.

النظرة الدينية

ترى الناقدة التشكيلية فاطمة علي أن الإعلام ليس المسؤول الوحيد عن النظرة الدونية للفنان التشكيلي، لكن النظرة الدينية أيضا جعلت كثيرين ينصرفون عن هذا الفن، كما أن معظم الشعوب العربية تبعد أبناءها قدر المستطاع عن هذه الفنون، لوجود هاجس الحرمة، مثل نحت التماثيل ورسم اللوحات، حتى انحصر الفن التشكيلي في زوايا ضيقة وهامشية؛ بسبب الشعارات الرنَّانة التي أدت إلى تفاقم المشكلة، ولن تُمحى هذه الصورة السلبية بسهولة؛ نظرًا لعدم جدية المناهج التعليمية في تنمية وتنقية الإبداع لدى الشباب والأطفال، كذلك نتيجة خلو المناهج من التجارب التشكيلية..

وطالبت بتفعيل دور نقابات التشكيليين العرب ومنحها استقلالية بعيدة عن المؤسسات الرسمية، بحيث تضمن للفنان التشكيلي احترامه، كذلك دعت الدراما التليفزيونية والسينمائية إلى مزيد من الاهتمام بتحسين الصورة السيئة التي رُسمت عن الأسرة التشكيلية عبر كثير من الأعمال الساخرة.

دار الإعلام العربية