عاش الإنسان فوق فروع الشجر فى الكهوف، وحلم أن يحتوي العالم كله. حفر ورسم الحيوانات المفترسة على الجدران ، وبقي يتمنى لو يقيد ويرسم ما يخشاه أمام ناظريه..
ولما عرف الزراعة وأصبح يحتاج إلى جاره، تجمع مع الجيران في قرى صغيرة، وتعلم الحكي والثرثرة، وإثارة الأسئلة حول الوجود ونشأة الإنسان على الأرض، وعن سر القوى التي قد تعصف به وبالزرع والحيوان، وعن حاجته إلى ما يفسر له ظواهر الطبيعة، وغيرها من الأسئلة فكانت الأسطورة، متمنيا بها أن يجد تفسيرا لكل أسئلته. عرفت جميع شعوب العالم القديم الأسطورة، وذلك في منطقتنا العربية والهند والصين، وحتى سكان أحراش إفريقيا. ونجح الإغريق في رصدها وتسجيلها، وعمل سكان الغرب عليها.. وروجوا لها، وبحثوا فيها. والآن أصبحت الأسطورة مبحثا في العلوم أو الميثولوجيا (علم الأساطير). ففي المعاجم: «الأساطير: الأباطيل والأكاذيب، والأحاديث التي لا ناظم لها.
كائنات وحوادث خارقة الأسطورة في مفهومها الحديث، مصطلح يطلق على أنواع من القصص أو الحكايات المجهولة المنشأ، ولها علاقة بالتراث أو الدين أو الأحداث التاريخية، وتعد من المسلمات من غير محاولة إثبات، أو هي تصور متخيل عن نشأة أوائل المجتمعات والمعارف في صيغة قصصية شفاهية، وقد تكون الغاية من الأسطورة تفسير بعض العادات أو المعتقدات أو الظواهر الطبيعية، وخاصة ما يتصل منها بالشعائر والرموز الدينية والتقاليد في مجتمع ما.والأساطير قصص تروى عن قوى فائقة أو عن كائنات متفوقة أو عن حوادث خارقة وخارجة عن المألوف، وقد تتحدث عن تجارب متخيلة للإنسان المعاصر بغض النظر عن إمكان حدوثها، ولا نحتاج البرهان عليها.
تُفسر أكثر الأساطير على أنها من فعل قوى خارقة في الإطار الزمني الذي تنسب إليه حوادث الأسطورة، ويعود في غالب الحالات إلى سالف العصر والأوان. والآن أصبح «علم الأساطير« يدرس أساطير الشعوب ويقارن بينها. كما ارتبطت الأسطورة بحكايات العلة أو الحكايات التي تفسر الغامض عند الإنسان. الأسطورة والملحمة الملاحم وقصص البطولة وسير الأبطال حكايات تدعي الحقيقة، فهي تروي أحداثها نثراً أو شعراً بأسلوب قصصي بلا مؤلف معين، وتشتمل على بعض الحقائق التاريخية، وعلى الخوارق التي لم يألفها الناس، مثل سير القديسين وسير عنترة والزير سالم وذات الهمة.
والبطل في هذه القصص من الأجداد العظام أو الأولياء وأصحاب الكرامات والقديسين، أو من ذوي الحلم والشجاعة الذين يقومون بأعمال تفوق قدرة البشر، ويتحلون بأخلاق حميدة وخصال فريدة. وغالبا تتضمن كائنا خارقا أو ملاكا يساعد البطل وينقذه في الشدة، أو يهيئ له سبل النجاح، كما في سيرة سيف بن ذي يزن.
وظيفة
لعل أهم وظائف الأسطورة، الشرح والتفسير والاخبار، سواء الظواهر الطبيعية والاجتماعية والثقافية والبيئية خاصة في المجتمعات البدائية.. وأيضا للبرهان، والإجابة عن الأسئلة التي لها علاقة بطبيعة شعيرة من الشعائر التي يمارسها المجتمع أو عادة من العادات التي تسود فيه.
وقد وجدت الأسر الحاكمة في أكثر الحضارات القديمة مبرر سطوة وجودها وموقعها من المجتمع في الأساطير التي أحيكت حولها، وأكثر تلك الأسر يؤكد أن أصوله ترجع إلى عالم الآلهة أو إلى السماء العليا، أو أنها سليلة الشمس أو القمر، كما أساطير الصين واليابان والهند ومصر القديمة وبابل والهنود الحمر.
ومن دراسة الأساطير المختلفة، نجد انه كانت المجتمعات البدائية في مرحلة تكون الأساطير تملك نوعاً من الإيمان الفطري ووحدة العقيدة. ومع تطور المجتمعات الحضارية القديمة، غدت الأسطورة تعبيراً مجازياً عن مختلف الأفكار الدينية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والفلسفية، ثم دخلت الفن والأدب مع تقدم تلك المجتمعات.
فقد شهد عصر النهضة اهتماما بالدراسات العلمية للأسطورة، ولكن هذه الدراسات اقتصرت على العصور اليونانية والرومانية. وقد ساد الاعتقاد زمناً في عصر النهضة أن الأساطير الدينية الوثنية تحريف للوحي التوراتي.
وبعد أن اطلع الغربيون على حضارات مصر والشام والرافدين وبلاد الشرق وشعوب أميركية، وتعرفوا على أساطيرها، توافرت لديهم إمكانات القيام بدراسات مقارنة بين مختلف الشعوب. ففي الدراسات الفلسفية، بانت وظائف الأسطورة متعددة، وبالتالي يمكن وجود عناصر قابلة للمقارنة في الأساطير المختلفة.
وفي علم الاجتماع الخاص بالأسطورة، تأكد أن للأسطورة وظيفة اجتماعية، شاملة كما هو واضح من الرموز الدينية التي تشتمل عليها، وأنه لا يجوز الانتقاص من أثرها في المجتمع.
مع ضرورة وجود الأسطورة للمجتمع لأهمية الوظائف التي تؤديها فيه، وخاصة المجتمع البدائي، فهي تفسر العادات والأخلاق والذرائع في تلك المجتمعات، وكذا تشرح نظرتها الجمالية والدينية والمؤسسات التي قامت عليها.
كذلك كان للأسطورة مكانة خاصة عند علماء النفس، وقال سيغموند فرويد إن لها ارتباطاً وثيقاً باللاشعور، وإنها تعبير غريزي عن الرغبات المكبوتة، وهي تظهر إلى الوجود عندما تتاح لها الشروط المناسبة. ويعتقد فرويد أن الأسطورة ترتبط بالنفسية الطفولية للإنسان.
ويخالفه تلميذه كارل يونغ مع تأكيده على رمزية الأسطورة وارتباطها باللاشعور، إلا أنها ترتبط باللاشعور الناضج في حياة الإنسان النفسية وباللاوعي الجماعي، فالأسطورة في رأي يونغ تتألف من صور أصيلة ترمز إلى الحكمة والنضج، وتنبع من دوافع نفسية ثابتة تتكرر في حياة الإنسان وتحضه على التفكير في الكائن الأعلى، وفي طبيعة الإنسان التي تنشد الخلود.
وهذا بينما يفسر رجال نظرية البنيوية اللغوية النقدية، أن الأسطورة تعتمد على الشكل اللغوي للأسطورة، أي طريقة عرضها (رواية شفوية متناقلة، أو نص ديني مكتوب، أو نص أدبي أو شعر أو غير ذلك) وتفرعاتها (أي النسخ المختلفة للأسطورة الواحدة).. وعلى الرمز أو المغزى الذي تهدف إليه الأسطورة، فلكل أسطورة كيانها الخاص ولكل منها مغزاها.
علاقتها بالأديان
بدت الأسطورة على علاقة بالدراسات الدينية، حيث تعتمد اليهودية على الأساطير من بعض الأوجه، ولكنها ترفض تمثيل الإله في صور، وكان للأساطير والخرافات اليهودية أثر مهم في تاريخ اليهود وثقافتهم.
وقد لعب اليهود دورا في العصور الوسطى، بنقل أساطير الشرق القديم إلى الغرب. لذا فالأساطير التي تنسب إلى اليهود ليست كلها من أصل يهودي، بل أكثرها مقتبس من شعوب أخرى، ثم أعطونها الطابع اليهودي لتأكيد ما يعتقدونه. وأخذت المسيحية عن اليهودية بعض مفاهيمها وتأثرت بها، كما تأثرت بالتراث الإغريقي وأساطيره.
ولكن الكنيسة المسيحية في القرن التاسع عشر، فسّرت الأسطورة على أنها استعراض لحقائق معبر عنها في صورة قصة يشوبها الخيال، واستمر أثر هذا التفسير في الأدب الشعبي المتداول حتى اليوم، ولعل هذا هو السبب الذي يدفع الكثير من مسيحيي القرن العشرين إلى رفض فكرة احتواء المسيحية على عناصر أسطورية في لاهوتها وممارساتها.
وهناك ثلاثة تفسيرات للأسطورة في المسيحية: التفسير التاريخي للأديان، التفسير النفسي التحليلي، تفسير الخلق والوجود. وأما الإسلام فيرفض الأسطورة رفضاً قاطعاً، ويؤكد سمو الله ووحدانيته ليقطع الطريق أمام أي ملمح أو فكرة أسطورية، لذلك فأي محاولة لتفسير بعض قصص القرآن مستعينين بالمفاهيم والصور التي تتقبلها الأديان الأخرى أو بالتراث القديم، فهي غير مقبولة مطلقا. ..مع الأدب والفنون تعد ملحمة هوميروس الشعرية (القرن الثامن قبل الميلاد)، أقدم مصدر للأسطورة.
وكانت الأساس الذي تقوم عليه التربية في اليونان، كما أن ملاحم الهند المعروفة (المهابهاراتا والرامايانا) تقوم مقام المرجع الرئيسي. كما تعد الأسطورة أحد جذور فن التمثيل، وهو ما تجلى في الأدب الكلاسيكي اليوناني لغناه بالموضوعات الأسطورية والعروض المسرحية التي تقدم الأحداث والحقائق بأسلوب يحاكي الأسطورة.
في المجتمع الحديث
قد لا نحتاج إلى جهد كبير لنقول إننا نعيش حاليا في القرن الواحد والعشرين، بين طيات الأسطورة! ليس علينا سوى أن نتابع بعض العادات والتقاليد مع بعض المقولات والمفاهيم والأفكار. هذا للبحث عن الأسطورة في الوجدان والعقل الشعبي في العالم العربي.
ثم لا نبرح موضع أقدامنا بعيدا، ونتأمل مقولات النقد الأدبي المعاصر، ومعطيات المنجز العلمي الحديث الذي تعاملت معه الفلسفة، والذي افرز نمطا أدبيا جديدا يعرف ب«الخيال العلمي».
إن «الميثولوجيا» العربية جعلت من الأسطورة وسيلة للعلاج والشفاء من الأمراض! وذلك بوخز الدمية (على هيئة عروس أو فتاة) والدعاء بالشفاء للمريض كي يشفى من الحسد و(العين) التي إصابته.. وكتب البعض ورسم تلك الكلمات الغامضة والرسومات، ثم طيها على شكل المثلث (الحجاب) ليضعها العليل تحت إبطه أو تحت الوسادة التي يضع عليها رأسه.
وهى نفسها التي جعلت من دم الحيوان-الطيور والموسيقى الزاعقة (كلها آلات إيقاعية، مثل الدف والطبلة)، وسيلة لطرد الأرواح الشريرة من جسد العليل في حفلات «الزار». بينما مازالت الكائنات الغامضة التي لا هي إنسان ولا حيوان، مثل «أبو رجل مسلوخة» و«الكائن صاحب الوجه المشوه، بعين واحدة» وغيرها، ضمن من تقصه الجدة على أحفادها، في مواجهة الشاب المغوار، في رحلة صراعه من اجل استعادة الحبيبة المخطوفة.
والسؤال هنا: هل يمكن للعلم والتعلم إزاحة تلك الروح/الأفكار الأسطورية؟ الحقيقة أن الشكل الملحمي للقص، سواء كانت ملحمة بكل مواصفاتها الموروثة، أو في توظيف ملامحها في الشكل الروائي، حيث الترميز في مضمون العمل الأدبي، والبحث عن الأسباب والتفسير، مع معالم التاريخ الجمعي أو توظيف أهم الأحداث التي مرت على الأجداد، يوجد الكثير من وظائف الأسطورة. وبينما راجت فلسفة ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا).
وان تأسست على الثقافات السابقة والانفتاح العلمي الذي بدأ في القرن الثامن عشر، أصبحت اليوم تبحث في معطيات الانجاز العلمي الجديد، وبها انتقل دور الفيلسوف من المفكر في العام والمجرد، إلى ملاحقة المعطيات العلمية الجديدة، والبحث في مستقبلها.
كما أصبح توفر المنجزات العلميةُ الحديثةُ، المادة المناسبةَ للنهوض بأدب جديد يشبه الأساطير، وهو أدب الخيال العلمي، وهو ما جعل «الكونجرس» الأميركي يستدعى كتاب أدب الخيال العلمي للحديث عن تصورهم لأحوال البشر مع المنجز العلمي الجديد، خلال السنوات القادمة، لوضع الخطط المستقبلية.
يبدو أنه لم يعد هناك من فاصل حقيقي بين المعطى التجريبي والمتخيل، بين ما أنجزه العلم،والأسطورة التي تتولد عنه! وإن حاول بعض المفكرين العمل على نزع وتخليص التراث الديني من الموروثات (الأسطورية)، مثل الألماني رودلف بولتمن والبريطاني تايلور، والتركيز على ما بقي حيا من أفكار وعادات وتقاليد( مثل التمائم والتطير والبحث عن الفردوس المفقود). ومع ذلك، لم يتخلص الإنسان المعاصر من سطوة الأسطورة، وأقرب مثال على ذلك، محاولات ألمانيا النازية إحياء الأسطورة «الجرمانية» والدم الآري، وفكرة الدم النقي!
السيد نجم



