تعتبر الإعلانات الطرقيّة من أبرز وأقدم الوسائل الإعلانيّة التي اهتدى إليها الإنسان. فهي تعود إلى عصور موغلة في القدم، ولكنها لم تأخذ حضورها وأهميتها وتأثيرها الكبير، إلا بعد أن أخذت أشكالها المتطورة السائدة حالياً.
والمؤلفة من أشكال وأحجام مختلفة، قائمة على الطباعة المتقنة والفاخرة، وعلى اللوحات الكهربائيّة والالكترونيّة، منها الثابت ومنها المتحرك، وقد باتت تمثل مظهراً رئيساً من مظاهر المدن والبلدات، بحيث صار وجودها المكثف هذا، إحدى إشارات اقتراب المسافر من مدخل لتجمع سكاني كبير.لم يقتصر تطور لوحات الإعلان الطرقيّة على أشكالها وطرزها والمواد المنفذة منها (لوحات ورقيّة أو قماشيّة أو بلاستيكيّة مطبوعة بتقنيّة عالية، حواضن من المعادن أو الفيليكس أو البوليستر)، بل طاول فكر صناعتها ومدارسها وتصميمها والعناصر الفنيّة الداخلة فيها، وطرز وأساليب صوغها.
وخلافاً لفنون بصريّة أخرى كثيرة، تلقفت مدننا العربيّة هذا الطراز من وسائل الإعلان، بسرعة قياسيّة، وانتشرت وتعممت فيها، بسرعة مماثلة، بحيث باتت اليوم تطالعنا على المفارق، ومداخل المدن، والطرق الداخليّة، وفي الساحات، والأسواق، والأحياء. تنهض على حوامل عالية، أو تلتصق بالأرض، أو تتسلق أعمدة الكهرباء (وقد تُصنع أعمدة خاصة لها) أو تشغل واجهة بناء، أو تسكن فوق الأسطح، وجدران وسائل النقل المختلفة. كما صرنا نراها على صدور وظهور الشباب بهذا الشكل أو ذاك.والحقيقة، فإن تطور الإعلان، لم يقتصر على لوحات الإعلان الطرقيّة، وإنما طاول كل أشكاله وأجناسه، الثابت منه والمتحرك، الورقي والفيلمي، السينمائي والتلفزيوني والحاسوبي، التقليدي والالكتروني.
كما وصل الإعلان إلى كل ما يستعمله الإنسان المعاصر في حياته اليومية: ثيابه واكسسواراته، أدوات أكله وشربه وتنقله، صحفه ومجلاته وأقلامه وهاتفه المحمول... الخ، وكل ذلك بهدف الترويج لبضاعة ما: ثقافيّة، أو سياسيّة، أو اقتصاديّة، أو تجاريّة، أو شخصيّة.
عوامل مُحرّضة هذا الانتشار الواسع للإعلان المتعدد الأشكال والصيغ، أو هذا الاعتداء الصريح والطاغي، على حواس المتلقي، وحصاره لها في كل مكان، مرده عوامل مختلفة، منها ازدياد المنتجات، وكثرة ورودها إلى منافذ البيع، وتشابهها كمادة ومضمون وغاية، بحيث أصابت المستهلك بالحيرة حول أيها الأصح والأجود والأفضل.
وهذا الأمر ينسحب على المنتجات المحليّة والعربيّة والعالميّة، التي بدأت تتدفق بغزارة على الأسواق، وكل منتج يعلن عن نفسه الأفضل والأجود والأوفر على الجيب.
يُضاف إلى ذلك، تطور وسائل تنفيذ هذه الإعلانات، والتفنن بطريقة تقديمها للمتلقي، بهدف جذب اهتمامه إليها، وإثارة غرائزه وعقله ودفعه لشراء هذا المنتج دون غيره. لكن هل كل الإعلانات تملك القدرة على أن تفعل ذلك؟ وبالتحديد لوحات الإعلان الطرقيّة؟ وما هي مقومات اللوحة الإعلانيّة الناجحة؟ هل هو مضمونها؟ أم وسائل تقديم هذا المضمون، من صور وأشكال وعبارات؟ أم هي كثافة عرضها ومكان هذا العرض؟
الإعلان الطرقي
قبل أن نجيب عن هذه التساؤلات، لا بد من تعريف مصطلح (الإعلان الطرقي) الذي يعني باللغة الإنجليزيّة Billboard, وهي مركبة من كلمتي (board) و(billing).
وتعني بالعربيّة (لوحات إعلان وترويج) وفي الغالب، تتواجد هذه اللوحات، على ناصية الطرق والشوارع ومداخل المدن و(الأوسترادات)، ومن أهم مقومات نجاحها، وضوحها، وبساطة تصميمها، واختزال أشكالها ورموزها، وبروز العبارات والكلمات التي تحملها، وقدرة المتلقي (راجلاً كان أم راكباً في إحدى وسائل النقل) على قراءتها، وإدراك مضمونها.
ولتحقيق هذا الهدف، على مصمم هذه اللوحات، تكثيف عناصرها، واستخدام الألوان المثيرة، والصور المؤثرة. فاللوحة الإعلانيّة في الأساس، هي عبارة عن رسالة، يجب أن توضع بلغة بصريّة واضحة وجذابة ومقروءة، وأن تتوضع في المكان الصحيح والمناسب والملائم لضمان وصولها إلى المستهدف بها، وتالياً، قيامها بالفعل المشروع وغير المشروع، ببصره وبصيرته. أي تحقيق الغاية من وجودها في هذا المكان.
في البداية، كانت الغاية من هذه اللوحات، إيصال رسائل إلى عامة الناس، لاسيما غير المتعلمين الذين لا يملكون إمكانيّة القراءة والكتابة. وحسب اللقى الأثريّة، فإن أقدم لوحة إعلان عُثر عليها، كانت في مصر القديمة، منذ ثلاثة آلاف عام. وقد استخدمت للإعلان عن جوائز لمن يتعقب، أو يعرف، مكان العبد الهارب من بيت أسياده.
ثم ظهرت الملصقات الإعلانيّة Billposteْ في أوروبا، واستخدمت لعرض المعلومات الرسميّة. وبعدها تطورت الملصقات، عندما اخترعت الطباعة الحجريّة Lithgraphy نهاية القرن التاسع عشر، وكان أول ملصق احتوى المقومات الصحيحة لهذا الفن، وضعه الإنجليزي (فريدريك والكر) عام 1871 من أجل الإعلان عن مباراة في لندن.
وفي باريس، قدم الفنان (شيريه) منتصف ستينيات القرن التاسع عشر، نمطاً جديداً من أنماط الطباعة الحجريّة الملونة التي حوّلت شوارع باريس إلى معرض في الهواء الطلق. ثم جاء الفنان (هنري تولوز لوتريك) ليرفع من المستوى الفني للملصق، حيث أدخل الحفر الياباني إليه، بشكل مختلف عن ما قام به (شيريه).
وفي هذا الوقت، لم يكن هناك قانون يتحكم بالملصق ولا بكيفية عرضه أو تصنيفه، وفق قواعد وأصول محددة، وأول مساحة اعتمدت للوحات الإعلان الطرقي كانت بقياس 592265 سم.
وبالتدريج، بدأت تنتظم هذه المهنة الفنيّة، وأخذت تظهر قوانين وأسس معتمدة لها، وتالياً منظمات أو نقابات، للعاملين في حقولها، لعل أولها كان ما بين الأعوام 1872 و1912 في الولايات المتحدة الأميركيّة، حيث قامت هذه المنظمة بوضع شروط ومواصفات وقياسات اللوحات الإعلانيّة، سرعان ما أخذتها عنها باقي دول العالم، ليصبح لها قوانين عالميّة ناظمة ومعتمدة.
في البداية، ارتبطت اللوحات الإعلانيّة الطرقيّة بالنهار، معتمدة على ضوء الشمس، ثم تطورت لتأخذ موقعاً هاماً في ليالي المدن والبلدات، بأكثر من شكل وصيغة. فقد أنيرت بالمصابيح الكهربائيّة و(البرجكتورات).
ثم تطورت إلى اللوحات الالكترونيّة المتحركة والقوية الإضاءة، الأمر الذي حوّل ليل المدن المدلهم والمخيف، إلى ما يشبه النهارات، ما وفّر للناس فرصة التأخر بالسهر، والتجول ليلاً دون خوف. ومع ازدياد اقتناء الناس للسيارات، وانتشار استخدامها في السفر القريب والبعيد، كان لا بد من نقل هذه اللوحات إلى طرقات السفر ومداخل المدن والشوارع الرئيسة.
مراحل وخواص
بدأت الإعلانات الطرقيّة مسيرتها الأولى، من خلال رسوم توضيحيّة، عكست حالة الشعوب وما عانته من الحروب وويلاتها، خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وفي خمسيناته، بدأت تحمل تلميحات جنسيّة مبهمة. وفي ستيناته، حملت صور المشاهير، وفي سبعيناته، أخذت اللوحات الطرقيّة تولي جل اهتمامها لمشكلات البيئة والطبيعة، مستعيرة غالبية عناصرها منها.
أما اليوم، فقد تعددت واختلفت، موضوعات هذه اللوحات لتشمل: الغذائيات، السيارات، الأدوية، الملابس، الدخان، المشروبات الغازيّة والكحوليّة، الأدوات المنزليّة، المصارف، الحفلات، المعارض، مستحضرات التجميل، ومواد البناء، الشركات المتعددة المهام، الانتخابات، المناسبات، وغير ذلك من ما يخدم مصالح الشركات الصناعيّة، والمنظمات الاجتماعيّة والسياسيّة، ومصالح الزبائن في الوقت نفسه.
إحصائيات
تشير الأرقام، إلى أن الإنفاق على الإعلان في دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال النصف الأول من العام الحالي بلغ 929 مليون دولار، أي بزيادة قدرها 23؟ عن الفترة نفسها من العام الماضي، وسط سيطرة واضحة لإعلانات الصحف والمجلات، حيث بلغت 738 مليون دولار.
وفي السعودية بلغ حجم الإنفاق الإعلاني 550 مليون دولار. أي بزيادة 11% عن الإنفاق الإعلاني خلال النصف الأول من العام الماضي. واحتلت مصر المرتبة الثالثة بحجم إنفاق إعلاني بلغ 514 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، مقابل 375 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. وحل لبنان في المرتبة السادسة بعد الكويت وقطر، مسجلاً إنفاقاً إعلانياً بلغ 150 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام الحالي.
أما في سورية، فقد تنامى الإعلان الطرقي خلال السنوات العشر الماضية بشكل غير مسبوق، لكنه بقي دون المستوى المأمول منه. وبحسب ما تؤكده إحدى شركات الدراسات الخاصة، فإن الإنفاق الإعلاني، وحسب أرقام المؤسسة العربية للإعلان، بلغ مليار و886 مليون ليرة سورية.
وأخيراً لابد من الإشارة، إلى أن ذروة الإنفاق الإعلاني في الدول العربيّة، هي في شهر رمضان المبارك، حيث تتزاحم ما يربو على 450 محطة تلفزيونيّة فضائيّة، على توجيه بثها للمشاهد العربي، من المحيط إلى الخليج خلال شهر رمضان، لعرض أفضل ما لديها، بهدف الحصول على جزء من كعكة الإنفاق الإعلاني، والذي لا يمكن الحصول عليه في الأيام العادية من السنة.
محمود شاهين


