أين يصنف هؤلاء الذين يرون الأمور من زاوية واحدة، ولا يتقبلون رأياً مختلفاً، ولا يحتملون وجهة نظر، ولا يفهمون العلاقة بين الذات والموضوع وبين المنهج والأشخاص، لذا فإن تقييمهم للرؤى والأفكار المخالفة لهم يكون في معظمه موجها لذات الشخص ونيته، وهذا في الحقيقة يعتبر كسوفا في العقل.

هؤلاء الذين ينتصرون لرأيهم النقدي ( وما أكثرهم بين المثقفين) ويعتقدون أن الحقيقة هم يدركونها فقط، ويطبقون نظريتهم في المعرفة أو التحليل والمراجعة، ويتشبثون برأيهم دفاعاً وحروباً وضيق صدر وقلة صبر، وكأنهم يحتكرون صناعة الثقافة وإطلاق النظريات، ويسطرون في ذلك الكتب ويدبجون المقالات.

الذين يجاملون، والمجاملة كما يعرف الحصفاء، هي إعطاء الطرف الآخر انطباعاً غير حقيقي عن شعورنا نحوه أو نظرتنا إليه، فإذا كان الغرض منها إسعاد الطرف الآخر فهي مطلوبة، أما إذا كان الهدف من ورائها تضليل رأي أو تغليب مصلحة فهي تعتبر كذباً ونفاقاً وخاصة إذا كانت موجهة نحو ذوي النفوذ!

هؤلاء الذين ينادون بأهمية الحرية في التعبير وطرح الرأي وعدم التحيز والإقصاء وينادون بالموضوعية والحيادية، ويصرون على فهم الآخر فهماً عقلانياً، أو يقودون فريقاً نحو المستقبل وكأنهم أدلاء الغد في نفق مظلم، والذين لا يتأخرون في إسداء النصيحة، ولا يفوتون مجلساً أو محفل ثقافة دون الإدلاء بدلوهم.

إن عالم الثقافة يستحق ميزاناً أكثر عدلاً في التعامل المعرفي، وفي الانتصار للحقيقة المطلقة، والحقيقة ليست رأياً منفرداً، أو زاوية صغيرة نرى منها العالم، بل هي ملايين الزوايا التي تضيء جدار الحياة، ليس لتكتمل المعرفة، بل في محاولة للوصول إليها، وعليه يصبح الحجر على الآراء وإقصاء من لا يُسمع رأيهم، ضرباً من ضروب الظلم.

قلة المرونة تلك تجتمع في عدد من الناس، ولكن مصيبتها تتعاظم إذا كانت في عالم الثقافة، وإذا كان المثقف ممن ليس لديه المرونة العقلية والسلوكية لبناء رأي أفضل، أو لتحسين نمط تفكيرهم، وهذا لا يتم بعزل عن الرأي الآخر، الرأي المختلف الذي من خلاله نقيس مدى صوابنا من عدمه، وعليه أيضاً نحن مطالبون دوما أن نعتني بتحسين نمط تفكيرنا وبفحصه بشكل مستمر حتى لا يصيبه العمى الفكري.

hussain@albayan.ae