في شهر نوفمبر من عام 1989 انهار جدار برلين. وبعد شهر واحد أسقط الرومانيون نيكولاي شاوشيسكو وأصدروا بحقه، وحق زوجته، حكما بالإعدام بعد محاكمة سريعة، متلفزة، وتمّ تنفيذ الحكم بهما كما شاهد مئات الملايين على الشاشات الصغيرة.
الكاتبة والأستاذة الجامعية الفرنسية كاترين دوراندان، بمشاركة الباحث في معهد اللغات الشرقية في باريس «غي هوت»، كرّست كتابها الأخير ل«موت شاوشيسكو»، ولما اعتبرته «الحقيقة حول انقلاب شيوعي»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.في البداية تتم الإشارة إلى تلك الصور القادمة من رومانيا أثناء ما عُرف ب«الثورة الرومانية» والتي، أي الصور، احتلّت صدر الصفحات الأولى في وسائل الإعلام الغربية. صور و«تحقيقات» عن مشاهد متباينة من «الفرح» و«الموتى» و«الجرحى» و«التوابيت المفتوحة لأطفال بقرت بطونهم». باختصار يتم وصف تلك المعلومات أنها «غير منسجمة» و«سيناريو الأحداث غريب وغير مفهوم أحياناً». من هنا برز مطلب «البحث عن الحقيقة».
وبالاعتماد على شهادات جديدة وروايات ومذكرات ويوميات وتحقيقات برلمانية ومحاضر عسكرية تتم في هذا الكتاب محاولة تقديم رواية دقيقة وزاخرة بالكثير من الوقائع والأحداث التي يتم الكشف عنها. وكلّها جرت أثناء تلك الأسابيع «المضطربة» التي شهدها شهر ديسمبر- في رومانيا عام 1989.
هذه الحقائق والوقائع والنتائج يتم عرضها في الكتاب عبر تسعة فصول تبدأ بفصل عن الفترة الواقعة بين «مايو 1987 وديسمبر 1989 حيث كان غورباتشوف وشاوشيسكو يعزز كل منهما سلطة الآخر»، وتنتهي بفصل يحمل عنوان: «الحقيقة تظهر: الثورة المضادة، وحقائق ضد أكاذيب».
ويتم في أحد الفصول التأكيد أن «واشنطن تتدخل في فترة ما بعد شاوشيسكو»، كما يدل عنوانه، وفصل آخر يتم التأكيد فيه أن «الحرس الشيوعي القديم تآمروا ضد شاوشيسكو»، كما يقول عنوانه أيضا. وتحظى ما عُرف ب«مذبحة تيموشوارا»، التي ثبت أنها كانت ثمرة عملية «إخراج مسرحي» أكثر مما هي تعبير عن واقع، بأحد فصول هذا الكتاب.
ما يتفق عليه الجميع هو أن «الفترات الجنينية للثورات» تتسم دائما بقدر كبير من الغموض، وتثير غالبا الكثير من النقاشات بين المؤرخين دون الوصول، غالبا أيضا، إلى التمييز الكامل بين ما أحاط بتلك الثورات من أساطير وما عرفته من وقائع. وليست «الرواية الرسمية» هي دائما الأكثر تعبيرا عن حقيقة ما جرى.
على خلفية مثل هذه الأفكار تحاول كاترين دوراندان شرح الخلفيات التي كمنت خلف تلك المسيرات الجماهيرية التي كانت تهتف في شوارع بوخارست «يسقط شاوشيسكو» و«مرحبا بالحرية». وتتم الإشارة هنا إلى ظاهرة تعرفها جميع الثورات تقريبا عند انطلاقها وتتمثل في وجود نوع من «الطلاق الإيديولوجي» بين الذي يملك السلطة وحرسه المقرّب من جهة، وبين قسم على الأقل من النخب التي يحتاج النظام لدعمها كي يستمر، من جهة أخرى.
وبعد الإشارة إلى أن مثل هذه الظاهرة قد عرفتها الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1989 بين لويس السادس عشر وبين جزء من «مجلسه»، ترى المؤلفة وجود نفس الظاهرة على رأس السلطة في رومانيا. ذلك أنه في الوقت الذي ظلّ فيه شاوشيسكو متمسّكا بالمفهوم «الستاليني» الذي يؤمّن له سلطة مطلقة أبدى عدد كبير من «كوادر» الحزب الشيوعي الروماني انجذابهم نحو «مبادرات غورباتشوف».
وتؤكّد المؤلفة في هذا السياق أن الهوة بين الطرفين توسعت في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية مأساوية، إلى درجة أن الانتفاضة بدت محتومة حيث انفجرت يوم 17 ديسمبر- كانون الأول 1989 لتحلّ حكومة جديدة قبل نهاية ذلك الشهر.
تتم الإشارة هنا إلى أن الغرب والكتلة الشيوعية كانوا قد أعلنوا ب«حركة واحدة» شجبهم لحكم شاوشيسكو علنا، لكنه لم يأبه لذلك. بل جابه «تمرّد برازوف»، حيث تعالى هتاف المشاركين فيه ب«سقوط شاوشيسكو»، بقدر أكبر من القمع. ولم يعر انتباها ل«رسالة الستة» التي وقعها ستة من القادة الحزبيين السابقين في شهر مارس من عام 1789.
وتكرّس المؤلفة فصلا ل«تمرّد برازوف» وفصلا آخر ل«أحداث تيموشوارا» حيث انضمّ عدد من الجنوب للمتظاهرين ضد شاوشيسكو. وفي مثل ذلك السياق اجتاحت الجماهير قصر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني ومقر التلفزيون. الجيش لم يتحرك وطلب رئيس جهاز الأمن من عناصره عدم إطلاق النار على المتظاهرين. لقد حاول شاوشيسكو الهرب بطائرة هيلوكبتر، لكن ألقي القبض عليه وجرى إعدامه، هو وزوجته، يوم 25 ديسمبر 1989.
في المحصلة تصل المؤلفة إلى القول إنه من الصعب جداً وصف أحداث رومانيا التي أطاحت بشاوشيسكو في شهر ديسمبر أنها ثورة شعبية حقيقية رغم أنها عبأت الفلاحين والطلبة. لكن الدور الذي لعبه الجيش وأجهزة الأمن الرسمية وقادة الحزب «ينزع» من تلك الحركة الشعبية الكثير من «عفويتها». ثم إن اقتسام المناصب بعدها واستمرار وجود أغلبية المسؤولين في أمكنتهم يلقي أيضاً بعض الظلال عليها.
الكتاب: موت شاوشيسكو
تأليف: كاترين دوراندان
الناشر: بوران باريس 2010
الصفحات: 270
القطع : المتوسط
ش
La mort de Ceausescu
Catherine Durandin
Bourin - Paris- 2010
270p.

