لم تكن البرازيل قبل عقدين، أو أقل، من الزمن سوى أحد بلدان العالم الثالث. بل وكانت ديونها الخارجية تضرب أرقاماً قياسية على الصعيد العالمي. أما اليوم فإن البرازيل تمثل المحرك الاقتصادي الأكبر والأكثر نشاطا في أميركا اللاتينية عموماً وفي أميركا الجنوبية بشكل خاص.
هذا فضلا عن أنها أحد الأسواق الكبرى على صعيد التجارة الدولية. وهذا ما يشرحه الصحافي الأميركي «لاري روتير» في كتابه الصادر قبل أسابيع قليلة تحت عنوان: «البرازيل الصاعدة».إن المؤلف يقدّم «البرازيل الصاعدة» التي يعرفها عن قرب في 10 فصول ومقدمة تحت عنوان: «بلد مستقبلي يكشف عن نفسه». وتبحث فصول الكتاب في «تاريخ البرازيل» و«أسطورة فردوس عنصري»، و«الإبداع والثقافة» و«عملاق صناعي وزراعي»، و«طاقة معروضة للبيع: البترول والايتانول ومصادر توليد الطاقة الكهربائية» و«منطقة الأمازون» و«السياسة بعد لولا». ويضم الكتاب عددا من الجداول الإحصائية.
كانت البرازيل حتى وقت قريب بلدا غارقا بالديون، لكنها تحتل حالياً المرتبة الثامنة على الصعيد الاقتصادي العالمي. بهذه الملاحظة التي تؤكد «الصعود» البرازيلي الكبير يبدأ المؤلف تحليلاته عن البرازيل.
إنها سبقت فرنسا وحققت استقلالها على صعيد الطاقة بعد اكتشاف أكبر حقل بترولي عرفه القرن الماضي «العشرون». بل وأصبحت البرازيل في طليعة البلدان المصدّرة للنفط نحو الولايات المتحدة الأميركية. باختصار يصف المؤلف البرازيل أنها تتأهب لأخذ مكانتها على المسرح الدولي ويحدد عام 2016 «موعدا» للإعلان عن ذلك بمناسبة تنظيمها للألعاب الأولمبية.
لكن البرازيل هي أيضا، كما يتم تقديمها، بلد المفارقات الكبيرة. إنها صاحبة أسطورة «الثقافة ذات الطابع الحسي» لكنها بلاد يُبدي ثلاثة أرباع سكانها «ورعهم الكاثوليكي» الصريح.
وهي البلاد التي تنتشر فيها المخدرات والفقر إلى جانب شريحة من أكبر أثرياء العالم. والبرازيل بلاد تصدّر للعالم رقصة السامبا وعارضات الأزياء ومدرّبي كرة القدم ولاعبيها. لكنها أصبحت اليوم تصدّر أيضاً بعض قطع تصنيع الطائرات. تجدر الإشارة في هذا السياق أن المؤلف يعرض هذه المفارقات كلها من خلال مقابلات أجراها مع الشخصيات السياسية والثقافية والدينية الأكثر بروزا على المسرح البرازيلي.
يتفق الجميع اليوم على أن البرازيل في عداد البلدان «الصاعدة» وهذا ما يبرهن عليه المؤلف مع تأكيده أنها لا تزال بلدا فيه مختلف أشكال التفاوت الاجتماعي وأعمقها في العالم.
وهي ثاني دولة في العالم، بعد نيجيريا، من حيث عدد مواطنيها ذوي الأصول الإفريقية «السود»، وكانت العملية الإحصائية لعام 2006 قد دلّت على أن حوالي 49 بالمئة من البرازيليين يعتبرون أنفسهم من السود أو من «المهجّنين» لكن هذا لا يمنع واقع أن البرازيل مشهورة كبلاد مناهضة العنصرية التي تشكل أحد مقومات «القومية البرازيلية».
ويعتبر المؤلف أن انتخاب «لولا» رئيسا للبرازيل عام 2002 شكّل نقطة انعطاف هامة في حياة البلاد، وخاصة عندما أطلق في مطلع عام 2003 برنامجه الشهير «الجوع صفر»، أي «القضاء على الجوع» والذي ربط فيه بين تقديم مساعدات مالية للأسر الفقيرة وبين دخول أبنائها إلى المدارس. وكان هذا البرنامج قد طال حوالي ثلث سكان البرازيل منذ بداية تطبيقه «تدريجيا» وحتى عام 2006. وهناك اتفاق عام حول حقيقة نتائجه الإيجابية.
اللغة الرسمية في البرازيل هي البرتغالية، كما تنصّ المادة 13 من الدستور البرازيلي المصدّق عليه عام 1988، هذا إلى جانب حوالي 179 لغة محليّة وعدد من اللغات الأخرى المرتبطة بالهجرة والمهاجرين، بما في ذلك الوافدين من البلدان العربية وخاصة لبنان وسوريا.
واللغة البرتغالية هي إرث من فترة الاستعمار البرتغالي للبلاد. تتم الإشارة إلى وجود بعض الاختلاف بين اللغة البرتغالية في البرازيل واللغة البرتغالية في البرتغال، وذلك خاصة بفعل «التمازج الثقافي» والخصوصيات المناخية للبلاد.
وما يؤكده المؤلف هو أن البرازيل كانت دائما، كما يقول تاريخها، بلادا ساحرة بنظر الآخرين، وخاصة الأميركيين. وقد كان مكتشفوها البرازيليون الأوائل قد وصفوها أنها «الفردوس على الأرض».
وإذا كانت البرازيل شهيرة برقصة السامبا وكرة القدم وشواطئها الاستوائية الرائعة، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد على شهرتها أولا من خلال «كرنفالها» المشهور على الصعيد العالمي، وثانيا من خلال غابات الأمازون التي تمثل «أحد ثروات الإنسانية الثمينة».
ويشير المؤلف إلى أن الصعود الذي عرفته البرازيل كي تصبح قوة عالمية معترف بها على المسرح الدولي جعلت أعدادا متزايدة من البشر في العالم يولون اهتمامهم لما يعنيه أن يكون المرء برازيليا.
ويحدد القول إن الخمس والعشرين سنة الأخيرة التي يوليها عمليا دراسته، هي التي صنعت صورة البرازيل الحديثة. هذا بفضل الاستمرارية التي عرفها نظامها السياسي والاستقرار الذي عرفته عملتها الوطنية والازدهار في اقتصادها. هذه العوامل مجتمعة جعلت البرازيل قوة صاعدة لها مكانتها على المسرح الدولي و«للمرة الأولى في تاريخها كله».
وقد لا يكون من المبالغة القول أن هذا الكتاب يمثل الدليل الأفضل لفهم البرازيل في عالم اليوم.
الكتاب: البرازيل الصاعدة
تأليف: لاري روتير
الناشر: بلغراف مكميلان- لندن- نيويورك- 2010
الصفحات: 403
القطع: المتوسط
1zil on the rise
Larry Rohter
Palgrave MacMillan- London- New York- 2010
403

