يتردد الحديث كثيرا عن الحرب الكورية. لكنها حرب لا يفهمها سوى القلة من البشر ثم إنها غدت حربا مهملة. هذا ما يؤكده ماكس هاستنغ الذي يؤرخ لها في كتابه «الحرب الكورية» الذي عرف طبعته الأولى عام 1987 وطبعته الأخيرة «المتجددة» عام 2010.
إذا كان مؤرخون غربيون عديدون قد تعرّضوا للحرب الكورية بالشرح والتحليل، فإن مؤلف هذا الكتاب هو الوحيد، حتى الآن، الذي بحث عن مصادر جديدة تمثّلت في محاربين قدماء من الصين وكوريا الشمالية. ويبيّن في كتابه كيف أن كوريا قد خدمت واقعيا ك«مقدمة» للحرب الفيتنامية ويشرح الأسباب التي جعلت الأميركيين يقترفون في حربهم الفيتنامية نفس الأخطاء التي كانوا قد ارتكبوها في الحرب الكورية.
وإذا كانت تُطلق على الحرب الكورية صفة «الحرب المنسيّة» فهذا يعود بالدرجة الأولى، كما يرى المؤلف، لكون أن الأوساط الأكاديمية والثقافة الشعبية الغربية عموماً قد أولت اهتمامها بالأحرى للحرب العالمية الثانية التي سبقتها ثم للحرب الفيتنامية التي أعقبتها هذا مع العلم أن تلك الحرب «الكورية» كانت حربا شرسة بين قوتين كبيرتين هما الولايات المتحدة والصين، وحلفائهما المحليين. كما كانت تلك الحرب هي المواجهة العسكرية الكبرى الأولى بين المعسكر الغربي والمعسكر الشيوعي، كما كانت أكثر مرة اقترب فيها العالم من إمكانية الدخول بحرب نووية وحيث كانت المرة الأخرى هي أثناء أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962.
إن المؤلف يؤرخ للحرب الكورية من خلال أربع مراحل تبدأ بالبحث في «جذور مأساة» ثم يدرس في المرحلة الثانية «الغزو» وتعقبها ثالثة عن «ردّ الغرب» من قبل أطراف ثلاثة هي واشنطن وطوكيو وسيول، والمرحلة الأخيرة مكرّسة ل«الانسحاب».
ويشرح هاستنغ على مدى تحليلات هذا الكتاب الصعوبات التي واجهها الجيش الأميركي، وجيوش الكومنولث التي شاركت تحت العلم البريطاني، ذات التجهيز التكنولوجي العالي، من حيث إمكانيات انتشارها ضد عدو «متواضع التجهيز والتسليح». والشرح المقدّم ينطبق إلى حد كبير على ما يسمّى اليوم ب«الحرب غير المتكافئة» كما يجري حاليا في أفغانستان أو العراق.
لكن رغم تلك الظروف كلها أمكن في لحظة ما التوصل إلى وضع قتالي في كوريا سمح لمنظمة الأمم المتحدة، وواقعيا للولايات المتحدة، بوقف تقدّم الجيوش الشيوعية الزاحفة.
بالمقابل يؤكد المؤلف أن «العديد من دروس الحرب الكورية لم يتم فهمها بشكل جيد أو لم يتم فهمها أبدا». كما يؤكد أن جميع التبريرات «الأميركية» المقدّمة من الحديث عن «الغزو المفاجئ» و«عدم امتلاك الوقت الكافي لتحضير الحرب»، و«غياب الأهداف الاستراتيجية» و«خشية تكبّد خسائر فادحة لصدّ الصينيين المتحالفين مع كوريا الشمالية، لا تلغي واقع أن الأميركيين لم يفهموا دروس تلك الحرب».
ويتحدث المؤلف بإسهاب عما يسميه «نشوة الانتصار» التي أظهرها الجنرال الأميركي «ماك ارتور» بعد الانتصارات الأولى التي حققتها في مواجهة القوات الشيوعية. وحيث يرى أنه كان من المطلوب «عسكريا» الاستمرار في «الهجوم المضاد» لما وراء خط العرض 48 حدود ما قبل الحرب- والإطاحة بالنظام الشيوعي في كوريا الشمالية وإعادة توحيد شطري الجزيرة.
لكن لم يتم فهم، ولا تأمّل، الطريقة التي يمكن أن يتصرّف فيها الصينيون وهم يرون الجيوش الأميركية تقترب من حدودهم وخاصة أن واشنطن كانت قد نشرت «الأسطول السابع» في مياه مضيق تايوان، «الصين الوطنية سابقا».
ويتم التأكيد في هذا السياق أن التفوّق الجوي الأميركي كان واضحا وجليا، ولكن مثل هذه الميزة، رغم أهميتها، لم تكن على درجة كافية من الفعالية ضد اقتصاد بدائي وجيش «فلاحي» ومجتمع مثل المجتمع الكوري آنذاك.
أمّا أجهزة الاستخبارات الأميركية فقد ركّزت فهمها آنذاك على مقولة «السلبية السوفييتية» وافترضت على أساس ذلك أن الصينيين «لن يتحرّكوا أبدا وحدهم». يقول المؤلف: «إن الغربيين، وخاصة الأميركيين، اقترفوا خطأ مواجهة الدعاية الصينية بالازدراء. وطيلة الحرب الكورية بحثت واشنطن عن المنطق الإيديولوجي الشيوعي خلف الأعمال الصينية. لكن ربما كان من المفيد أكثر البحث عن المنطق التاريخي القومي الصيني».
واعتبارا من مطلع عام 1951 تقدم الصينيون والكوريون الشماليين جنوب خط العرض 38 واستعادوا مناطق عديدة من سيطرة جيوش «الحلفاء». ثم استمرت الحرب بعد ذلك عامين دون أي تغيير جوهري في المواقع، لكن مع أعداد إضافية كبيرة من القتلى. وهذا ما يقارنه المؤلف ب«المآسي المجانية التي عرفتها الحرب العالمية الأولى في سنواتها الأخيرة.
ويكرّس المؤلف أحد فصول هذا الكتاب لمساهمة «بريطانيا ومعها دول الكومنولث» في الحرب الكورية، الأمر الذي أهمله عادة المؤرخون الأميركيون. وقد ركّز على إعطاء تلك الحرب «مدلولا عالميا»، الأمر الذي أهمله كذلك المؤرخون الأميركيون.
ولعل أهمية هذا الفصل من الكتاب تأتي من حيث أنه يقدّم وجهة نظر بريطانية حيال الحرب الكورية. وهو يقدّم أيضاً في هذا الإطار شهادات بعض المحاربين القدماء البريطانيين في تلك الحرب.
وكتاب قديم- جديد عن الحرب الكورية التي شهدتها السنوات الأولى من عقد الخمسينات الماضي، ولا ينسى المؤلف أن يؤكد منذ البداية أنه «لا يزعم» كتابة تاريخ كامل لهذه الحرب.
الكتاب: الحرب الكورية
تأليف: ماكس هاستنغ
الناشر: بان بوك لندن 2010
الصفحات: 215
القطع: المتوسط
The korean war
Max Hastings
Pan Books - London - 2010
.p512
