يقال في الأصل كانت الكلمة، ولكن من أين أتت الكفاءة المتفردة للنوع الإنساني كي يعطي معنى للأصوات؟ ولماذا وكيف ظهرت منظومات التواصل بين البشر؟ وهل يمكن الحديث عن لغة تفاهم موسيقية؟ أم هل ينبغي التأكيد مع «فاغنر»، الموسيقي الشهير، أن الموسيقى تبدأ حيث تتوقف سلطة الكلام؟
مثل هذه الأسئلة يتم طرحها في كتاب جماعي يشرف عليه الأستاذان في «الكوليج دو فرانس»، أعلى مؤسسة علمية فرنسية، تحت عنوان: «الكلام والموسيقى». ويساهم في الإجابة عن هذه التساؤلات والكثير غيرها عشرون باحثا وأستاذا جامعيا. يفتتح المشرفان تقديمهما لهذا الكتاب برقم. هذا الرقم هو 40 مليار دولار. ثم يوضحان ذلك القول: «هذه هي قيمة التعاملات في السوق السنوي الموسيقي في العالم». ومثل هذا الرقم الضخم يوضح مدى «الكلفة المادية» لما تتمتع فيه الموسيقى من «سلطة انفعالية».
وهذه السلطة لا تتم ممارستها على السامعين فقط ولكنها ذات «بعد مصيري» بالنسبة للمبدعين أيضا. عازف البيانو الشهير «غلين غولد» لم يتردد في التأكيد أنه «ليس بمقدوره أن يتصوّر حياته دون الغوص كليّا في الموسيقى». والكاتب روبير شومان يؤكد أن «الموسيقى تتكلم لغة عامة لها فعلها على الروح بطريقة حرّة ولا محدودة».
وما يتم تأكيده عامة في تحليلات هذا الكتاب هو أن قوة الجذب الكبيرة التي تمارسها الموسيقى على الدماغ الإنساني لا تزال غير مفهومة حتى اليوم. ويبقى هناك سؤال كبير حول العلاقة بين الكلام والموسيقى.
الفرضيات كثيرة وليس أقلها تلك القائلة أن القوة التي تكمن في الموسيقى تتأتّى من قوة اللغة التي يتفرّد فيها النوع البشري. وهذه العلاقة تتم دراستها عبر عدد من المساهمات التي تحتويها فصول الكتاب الخمسة من الفصل الأول الذي يحمل عنوان «حاسة السمع» وحتى الفصل الأخير المكرس ل«موسيقى اللغة ولغة الموسيقى» ومرورا بفصول تحمل عناوين: «الحديث والغناء» ثم اختراع أنماط جديدة للتواصل الإنساني» و«التربية».
والخط الناظم لتحليلات هذا الكتاب يتمثل عامة في القول أن الكلام والموسيقى «يصوغان حياتنا الاجتماعية وعلاقتنا مع العالم». ومثل هذه الأطروحة تجد ما تبررها في الاكتشافات التي حققتها العلوم العصبية والنفسية على مدى العقدين المنصرمين في مجالي الموسيقى ولغة التواصل. ويتم التأكيد في هذا السياق أنه من الهام جدا البحث في مساري التطور اللذين عرفتهما الموسيقى واللغة «المحكية»، هذا بمعنى التواصل من خلال «الصوت».
المساهمون في هذا الكتاب على مختلف مشاربهم واهتماماتهم التي تمتد من علم النفس إلى الفلسفة والإبداع الفني والأدب والعلوم العصبية ومشارب أخرى يبحثون، كل في ميدانه، علاقة الكلام بالموسيقى.
وكل شيء يبدأ، كما يتفقون، بالإذن، أي بحاسّة السمع التي «تلتقط وتحوّل الموجات الصوتية» إلى معاني ومدلولات. ولكن كيف تتم عملية السمع؟. على هذا السؤال تجيب الباحثة «كريستين بوتي»، الأخصائية بعلم التشريح، بتوصيف بنية الأذن الداخلية التي تقوم ب«ترشيح» الموجات الصوتية وتحوّلها إلى «دفقات كهربائية».
أما الباحث جاك بوفريس، أستاذ فلسفة اللغة والمعرفة، فإنه يجيب على نفس السؤال من زاوية «تاريخ العلوم» حيث تمّ البحث عن «النظريات الفيزيولوجية» للموسيقى، خاصة تلك التي قدّمها الفيزيائي الشهير «هيرمان فون هلمولتز» في القرن التاسع عشر.
وفي نفس إطار البحث عن دور حاسة السمع في «تنظيم» الأصوات بجمل مفيدة، كلامية أو موسيقية، يقدم الباحثان في علم النفس دان غنازيا وكريستيان لورنزي مساهمته بعنوان: «عن الكلام وعن الضجيج» ويشرحان فيها آليات التمييز بين مصادر الأصوات «ذات الدلالة» وبين الضجيج المحيط بها. ويتم التأكيد هنا على القدرة النوعية الإنسانية المتفرّدة للتواصل بواسطة الكلام أو بواسطة الموسيقى.
ويتم هنا طرح السؤال التالي: كيف استطاعت مختلف الثقافات إلى صياغة منظومات لغوية أو موسيقية ثابتة و«مقبولة» من المعنيين بهذه الثقافات كوسيلة للحوار فيما بينهم؟ تجدر الإشارة هنا إلى العنوان الفرعي للكتاب الخاص بالبحث عن «جذور الحوار الإنساني».
عالم اللسانيات «لويجي ريزّي» يشرح في مساهمته واقع أن جميع لغات البشر وبالرغم من تنوعها «الظاهري» الكبير فإن «مبادئها اللغوية» كلها تعبّر عن الكفاءة اللغوية لدى الجنس البشري. والأمر نفسه بالنسبة للموسيقى كما تشرح الأخصائية النفسية العصبية ايزابيل بيريتز في مساهمتهما. هذا مع التأكيد أن التنوع الثقافي يبقى كبيرا على صعيدي التعبيرين الشفهي والكتابي.
ويشرح مؤرخ القراءة روجيه شارتييه، كيف أن البشر اخترعوا على مرّ الزمن «علامات التنقيط» من أجل فصل الكلمات وتبيين إيقاع اللفظ وصياغة جمل تسهيلا للحوار. لكن بالمقابل عن طريق طبقات صوتية مختلفة صادرة عن طبول توصلت بعض القرى الإفريقية إلى التواصل والحوار فيما بينها على بعد عدة كيلومترات. الحدود تتضاءل في مثل هذه الحالات بين الكلام والموسيقى كوسائل للحوار بين البشر.
وبعد استعراض العديد من الآراء والتحليلات العلمية حول آليات الموسيقى والكلام يتم الوصول إلى نتيجة مفادها أنه من الصعب الوصول إلى تحديد دقيق عن دور الكلام والموسيقى في الحوار البشر خاصة «عندما تدخل الآلات في اللعبة».
الكتاب: الكلام والموسيقى في جذور الحوار الإنساني
تأليف: ستانيسلاس دوهين، كريستين بوتي وآخرون
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2010
الصفحات: 263
القطع: المتوسط
Parole est musique, aux origines du dialogue humain
Stanislas Dehaene, Christine Petit
Odile Jacob - Paris- 2010
263 p

