آلان مينك هو أحد المثقفين الفرنسيين المعاصرين الذين تلقى أفكارهم وأطروحاتهم اهتماما كبيرا في فرنسا. ونفس الاهتمام يلقاه كتابه الأخير الصادر في مطلع شهر سبتمبر 2010 تحت عنوان: «تاريخ سياسي للمثقفين».
لكن من هم المثقفون في تاريخ فرنسا؟ وماذا كان دورهم؟ وما هو هذا الدور اليوم؟ هذه الأسئلة التقليدية يجيب عليهما «آلان مينك» من موقعه ك«مثقف» معروف. إن موضع اهتمامه الرئيسي هو المثقف الذي يصفه ب«الحديث» ويقول في توصيف: «وُلد المثقف الحديث بنظري في القرن الثامن عشر عندما نجا بنفسه من هيمنة السلطة السياسية ومن سطوة الكنيسة. لقد أصبح المجتمع هو المحيط الذي يعيش فيه. وغدت المواجهة بينه وبين السلطة هي التي تحدد هويته ومجال إبداعه. لقد أصبح المثقف يتأمّل بالعالم المحيط فيه وغدت الكلمات أفعالا والأفكار أسلحة والنظريات مدافع. وهذه خصوصية فرنسية جداً».
وتحت عنوان: «الحزب الأول في فرنسا»، ويقصد حزب المثقفين يكتب مينك: «لن يكون حزب المثقفين في تاريخنا أقوى وعلى نفس الدرجة من التضامن مما كان عليه في القرن الثامن عشر.
كانت تلك هي الفترة الوحيدة التي يحق له فيها أن يزعم فيها أنه الحزب الأول في فرنسا». ويشرح المؤلف أن المثقفين وجدوا في مواجهتهم آنذاك نظاما يزداد ضعفا منذ وفاة «الملك الشمس ؟ أي لويس الرابع عشر» و«أرستقراطية تبهت شرعيتها يوما بعد يوم». و«كنيسة أسيرة المواجهة بين الملك وبابا الفاتيكان».
ويحدد المؤلف القول ان قوة المثقفين آنذاك كان مصدرها الرئيسي هو أنهم كانوا يشكّلون «كتلة متضامنة يوحّدها طموح مشترك» و«تؤكد ذاتها جماعيا على المسرح الأوروبي والمسرح الوطني».
وبعد أن يشير مينك إلى «العلاقات الصعبة» التي كانت قائمة بين روسو وفولتير أو بين ديدرو ودالامبير، يشير إلى أن «خصوماتهم» كانت لا تقاس ب«المعارك» التي جرت فيما بعد بين «اميل زولا وموريس باريز وجان بول سارتر وفرانسوا مورياك واندريه مالرو ولويس اراغون».
الورقة الرابحة الأساسية لدى مثقفي القرن الثامن عشر يتم تحديدها ب«تأثيرهم على الرأي العام». وينقل المؤلف في هذا السياق جملة كان فولتير قد كتبها لصديقه دالامبير عام 1767 وجاء فيها: «الرأي العام هو الذي يحكم العالم وعليكم أن تحكموا الرأي العام».
ويتعرّض الآن مينك للزيارة التي كان عدد من المثقفين الفرنسيين الذين كانوا قد زاروا الاتحاد السوفييتي عندما كان في ظل حكم ستالين. ويكتب عن «اندريه جيد في الاتحاد السوفييتي». وكان الروائي الفرنسي في موسكو عندما جرت محاكمة «كافونيف وزينوفييف» والحكم عليهما بالإعدام، كان ذلك عام 1936.
وقد كتب اندريه جيد عند مغادرته موسكو:
«بعد سفرنا الذي لا يُنسى لبلد الاشتراكية الظافرة العظيم، أبعث من الحدود تحية قلبية لأصدقائي الرائعين الذين أحزنتني مغادرتهم». ولكنه لم يتردد بعد ذلك في نشر شهادته تحت عنوان: «عائد من الاتحاد السوفييتي» وقد تحدث فيها «دون مواربة» عن حقيقة ما كان يجري في بلاد ستالين دون الرضوخ لمطالب «مبعوثي» موسكو من أجل ثنيه عن نشر شهادته.
ويتحدث المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب عن العلاقة المتوترة التي قامت بين مثقفين فرنسيين كبيرين هما جان بول سارتر والبير كامو. وتحت عنوان: «1951، سارتر ضد كامو».
ويرى أن صدور كتاب كامو الشهير «الإنسان المتمرّد» في تلك السنة نقل الخلاف مع سارتر إلى العلن بعد أن كان «مسألة داخلية بين المثقفين». ويومها تصرّفت هيئة تحرير مجلة «الأزمنة الحديثة» التي أسسها سارتر وكأنها «لجنة محكمة»، كما يقول مينك، حيث أصدرت حكما ضد كامو مع اعترافها ب«موهبته الأدبية الرائعة «مقابل «ازدرائه» فلسفيا. ووصل الأمر إلى محاولة «منع تداول» كتاب «الإنسان المتمرد». بل ويشير المؤلف أن «سارتر» قام بتأليب عدد من «الأبواق» للهجوم على كامو.
وردّ كامو على سارتر «حيث يمكن أن يؤلمه أكثر، أي في موقفه المتراخي أثناء الحرب». ويعرّض المؤلف على مدى العديد من الصفحات «المساجلات» التي دارت بين المثقفين الكبيرين مع سيل من الاتهامات والاتهامات المقابلة، مما يبيّن كآبة الأجواء التي سادت في الأوساط الثقافية آنذاك.
وفي معرض الحديث عن «التاريخ السياسي للمثقفين» في فرنسا يتوقف الآن مينك طويلا عند شهر مايو 1968 الذي كان قد شهد ما سمي ب«ثورة الطلبة» والتي يقول عنها: «إذا كانت أصول أحداث 1968 ليست واضحة، فإن لها خلفية سياسية لعب فيها العالم الثقافي دوراً أساسياً».
ويوضح هذا بالقول ان المثقفين كانوا في طليعة التيار «اليساري المتطرف». لقد كانت «مغامرة» من قبل المثقفين ومن أجل المثقفين. ويحدد مينك القول ان «بابا» تلك المغامرة هو «بالطبع سارتر» الذي «باركها دون نقاش ودون احتجاج».
ويتحدث المؤلف في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب عن مثقفين يحتلّون هذه الأيام واجهات الاهتمام الإعلامي من أمثال برنار هنري ليفي «الأكثر إنتاجا بين المثقفين في نهاية القرن العشرين» وعن «بيير بوروبو» الذي عرف كيف يتجنب أخطاء سارتر وفوكو وبقي خطابه عقلانيا ما يكفي لنسيان مبالغاته».
وفي المحصّلة يمثّل هذا الكتاب في أحد وجوهه تأريخا للثقافة الفرنسية منذ القرن الثامن عشر حتى الوقت الراهن.
الكتاب: تاريخ سياسي
للمثقفين
المؤلف: الآن مينك
الناشر: غراسيه باريس 2010
الصفحات: 414
القطع: المتوسط
Une histoire politique des intellectuels
Alain Minc
Grasset - Paris- 2010
414p.

