يبدأ مؤلف الكتاب، عادل حمودة، بحثه في هذا الصدد، بعقد مقارنة بين العادات الفرعونية مع النيل وعادات الإثيوبيين المتشابهة جدا.
موضحا أن هناك نظرية جغرافية تصر على أن إفريقيا كانت مجرد قارة منخفضة وجافة بلا مياه، ثم انشقت أرضها وظهرت فجوة تمتد من روديسيا إلى البحر الأحمر بسبب انفجار البراكين من جوف الأرض، وإلقاء كتل ثقيلة خارجه.. شكلت جبالا.. فتحت عند سفوحها أحد الأودية الذي تكونت فيه البحيرات العظمى حيث خرجت منها الأنهار، وعدد البحيرات في تلك المنطقة، سبع بحيرات.ويلفت المؤلف إلى أن النيل الذي ينبع من عيون الأثيوبيين والأوغنديين يصب في قلوب المصريين، وليس صدفة أن أخلاق الشعوب هنا وهناك متشابهة، وربما متطابقة، فهي تتميز بوجود طيبة إلى حد التفريط، وخبث خفي إلى حد التضليل، وسلوك يتجنب العنف ويخشى السلطة وينافقها فيمشي في ركابها دون أن يثق فيها أو يؤمن بها. فهي إذا صفات مشتركة بين أمتين تختلفان في كل شيء ولا يجمعهما سوى النهر.
ولكن بقاء الحال من المحال، والمصالح الدولية والإقليمية المتشابكة تتغير، وألعاب القوى الخفية لن تنتهي، والمعاهدات الدولية لو لم تجد قوة تحميها تفقد صلاحيتها، وهو ما حدث بالضبط في دول المنبع والمجرى التي تمردت على كل ما فات، وطالبت بصفحة جديدة ومعاهدة جديدة وأنصبة مياه جديدة، وهو ما فجر أزمات بينها وبين مصر كان آخرها في صيف 2009 الأكثر حدة، وبدأت تداعياتها الخطرة تتوالى.
ويعرف حمودة كلمة «أثيوبيا» بأنها تسمية يونانية قديمة تعني «أرض الوجوه السمراء»، أما الحبشة فتسمية عربية شاعت في أوروبا، وهي مأخوذة من الأحباش (سكانها الأصليون)، وتصل مساحتها إلى مليون و194 كيلو مترا مربعا، وهي أكبر قليلا من مساحة مصر التي لا تزيد على مليون كيلومتر مربع، ولكن عدد سكانها لا يختلف كثيرا عن سكان مصر. ويبين المؤلف أن النيل لم يكن في بدايته على صورته التي نراها الآن، إذ كان يتكون من ثلاثة فروع ينفصل كل منها عن الآخر، الفرع الأول في الهضبة الاستوائية، الفرع الثاني في الهضبة الحبشية، والفرع الثالث في النوبة ومصر. ولم تتصل هذه الفروع إلا منذ ألفي سنة. ويشير حمودة هنا إلى انه لا يختلف الأثيوبيون عن المصريين في الطباع فهم طيبون متواضعون ومنكسرون ومستسلمون ومتجردون من نوازع العنف، رغم قسوة الحياة التي يعيشونها. كما أن هناك كلمات من العامية المصرية هي في الحقيقة جزء من قاموس اللغة الأمهرية (اللغة الرسمية)، كلمات مثل: «ترابيزة»، «فوطة»، «شنطة»، «جزمة»، وغيرها الكثير.
وحول حقوق مصر في نهر النيل، يعرض حمودة لعدد من المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات التي تؤكد أن ما تحصل عليه مصر من مياه النيل هو أمر مفروغ منه، طبقا لأصول وقواعد القانون الدولي، بداية من البروتوكول الموقع في روما عام 1891 بين بريطانيا وإيطاليا، والذي كان يستهدف تعيين مناطق نفوذهما في شرقي إفريقيا، ومروراً بالمذكرات التي جرى تبادلها سنة 1935 بين بريطانيا وإيطاليا، بصفتها نائبة عن أثيوبيا وقتها.
حيث تعترف فيها الحكومة الإيطالية بالحقوق المائية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل الأبيض والأزرق، وأخيرا انتهاء باتفاقية الأمم المتحدة عن الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لتقنين القانون الدولي للأنهار، ومنحه غطاء سياسياً دولياً، إذ اقترحت الجمعية العامة الاتفاقية في 8 ديسمبر 1970 وأدرجت على جداول المناقشة بعدها بعام واحد، وعرض مشروعها النهائي بعد 13 سنة.
وأقرت في 31 مايو 1997 بأغلبية 104 دول واعتراض ثلاث دول، وهي الصين وتركيا وبورندي، وامتناع 27 دولة عن التصويت منها مصر وأثيوبيا، والتي لم تشأ إفساد ما في خزائنهما من معاهدات مستقرة.
وهكذا فإن مصر لديها من وثائق يزيد عمرها عن أكثر من مئة سنة، ما يكفي للحفاظ على حقوقها المائية ولو كان لدول المجرى الأخرى حق الانتفاع بمياه النيل، فإن ذلك بشرط عدم المساس بالحقوق المصرية.
ويتطرق المؤلف إلى حقيقة علمية، ودرس تأملي مهم نستخلصه من أمن الطبيعة، حيث يوضح أن الطبيعة قادرة وقاهرة وفارضة إرادتها على الجميع، بحكم قوة اندفاع المياه من الهضاب المرتفعة من المنبع إلى المصب، مروراً بالمجرى بحيث لا يستطيع أحد إيقافها وإلا غرق. وهى النظرية نفسها التي تؤمن بها الحكومة المصرية وتجعلها مطمئنة إلى أن النيل سيأتي عليها، سيأتي رغم أنف الجميع.
ويؤكد حمودة أن هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أن هناك تغييرات حدثت على أرض الواقع تهز هذه النظرية وتقلل من صرامتها، وتشير إلى أن حقوق مصر المكتسبة يمكن أن تتعرض بكميات قليلة أو كثيرة للاغتصاب.
ويقترح المؤلف أن تضيف الحكومة المصرية إلى وزرائها وزيرا جديدا لشؤون إفريقيا، وهو منصب تولاه، بطريقة غير مباشرة، بطرس غالي عندما كان وزير دولة للخارجية، وتولاه من قبله محمد فائق قبل أن يصبح وزيراً للإعلام، مؤكداً أن هذا الدور تلعبه حالياً الوزيرة فايزة أبو النجا التي نجحت في تطوير العلاقات والمصالح مع أثيوبيا في وقت قياسي.
الكتاب: ثرثرة أخرى فوق النيل.. رحلاتي إلى منابع النهر: أثيوبيا أوغندا السودان
المؤلف: عادل حمودة
الناشر: دار الشروق - القاهرة 2010
عدد الصفحات: 175 صفحة
القطع: المتوسط
خالد عزب

