يبدأ الكاتب الراحل، إبراهيم عبد القادر المازني، بوصف مراحل وأجواء رحلته، وهو يعتلى سطح السفينة ويتحدث إلى ربانها مستفسرا عن سرعتها التي لا تزيد عن خمسة أميال في الساعة، وعن أحوال البحر التي قد تنقلب فجأة، وليعلم من الربان أن ميناءي «ينبع» و«جدة» تكثر في مدخليهما الصخور والشعاب! وهو ما لم يكن يتوقعه أو يتمنى سماعه.
ومن الصور الطريفة التي رسمها المؤلف لأحد رفقاء الرحلة، أنه بدا منهمكا ومتحمسا في كتابة المذكرات التي يمني نفسه ببيعها، وبالفعل بدأ يخط فيها عن ما أكل ولعب والكثير من الأحاديث العادية التي تدور بينه وبين بقية الركاب.. وهو ما جعله يسأل الكاتب عن الأرباح المتوقعة بعد نشر تلك المذكرات، التي لا تتضمن فنا من فنون «أدب الرحلات»! فقال الكاتب إنها حوالي مئة أو مئتي جنيه (وهو مبلغ كبير جداً في حينه)، ففرح الرفيق جدا، وعند رحلة العودة سأله الكاتب عنها، فأفاد الرفيق أن كتابة المذكرات أمر شاق، ولا وقت لديه لذلك!
ويتابع المازني، مبينا انه حين بلغت السفينة الميناء، رست بعيدا عن اليابسة (كحال تلك الفترة، ثم هبط الركاب لاعتلاء قوارب صغيرة للوصول إلى اليابسة)، بينما الصبية الصغار، لم ينتظروا، فأحاطوا بالسفينة سباحة، وهم يتلقفون القروش التي يلقي بها الركاب إليهم، ويلتقطونها قبل أن تصل إلى أعماق المياه، ثم يحتفظون بها في أفواههم. وبعدها استقبلهم مسؤول المدينة مرحبا بهم، وأخذ الجميع طريقهم إلى المسجد لحلول ميعاد صلاة الظهر.
وفى الطريق، مروا على السوق التي وصفها المازني: (وهي حارة ضيقة مسقفة على جانبيها الدكاكين، فيها صنوف شتى من العطارة والبقالة والمنسوجات والخبز والأسماك والجراد).
ولا يوجد بالدكاكين أحد يراقبها، فتساءل البعض: ومن يحمى تلك البضائع؟ وكان الجواب: لا يجرؤ أحد على السرقة! وليبرر المؤلف تلك الظاهرة، يبين في موضع آخر من الكتاب أن الملك يقطع يد السارق، وهى ضمن إجراءات إصلاحية كثيرة، يسعى بها الملك لتأسيس مملكة آمنة مستقرة، حيث تحول فيها «البدو» الرحل إلى مجتمعات مستقرة حول آبار حفرت وآلات زراعية متوفرة، ثم سحب منهم الجمال والأحصنة، حتى لا يفكرون في الرحيل حسب أهوائهم.
وفي «ينبع» شاهد المازني مع الرفقاء «صندوق الدنيا» في الشارع، وهى معلومة قد تفيد من يبحث في الفنون الشعبية (المندثرة أو التي تكاد)، ومع ذلك لم تبتعد عنه تعليقاته المرحة المعروف بها.
فلما اقترب منه احدهم وقال له: ها هو صندوق الدنيا، وقد قرأت صندوقك. فرد عليه قائلاً: سيكون ممتعا أكثر وأنت داخله (ويعني سوف يكتب عنه). فامتقع وجهه خوفا من أن يكتب «المازني» عنه، ولن يكون ذلك إلا بالسخرية والنقد.
وكان وصف المؤلف للمنازل في جدة مثيرا، حيث يصور ما كانت عليه فنون العمارة الخاصة بتلك الفترة، ولعل اللافت منها أن لبيوتها أبوابا وسلالم كثيرة. ثم يصف المازني بعضا من العلاقات الإنسانية قائلاً:
«والأغنياء هناك لا يدعون الفقر، ولا يكتمون ما لهم، وإن كانوا لا يضايقون الناس بمظاهر البذخ». وفي حديثه مع سائق السيارة من جدة إلى مكة (كان أحد أفراد الفرقة الموسيقية في جيش الحسين قبل الملك عبد العزيز) يسأله عن الفرق بين العهدين، وأجاب السائق موضحا أن الأمن مستتب على أحسن حال، وأنه ما من أحد يجرؤ أن يسرق أو يمد يده إلى شيء في الطريق. وعاد فسأله: «وأي العهدين خير؟» عقب السائق:
«لكل زمان دولة ورجال». وفى «مكة» يصف المؤلف وقفته عند الحجر الأسود قائلاً: «وددت لو أتيح لي أن أتمهل عند الحجر الأسود فإنه عجيب، ولكن الزحام كان شديدا، ولسنا بأحق من سوانا بذلك، وهو أسود فاحم ووضاء مشرق، وحوله إطار بيضاوي من الفضة، والمرء يحتاج حين يقبله أن يدخل وجهه فيه لأنه أجوف».
كما يصف السور حول بئر «زمزم»، فلما سأل عن سبب بنائه، علم أن الحكومة هي التي شيدته، «لأن بعض الحجاج يلقون بأنفسهم في البئر، حتى إذا غرقوا وماتوا، ذهبوا مباشرة إلى الجنة!».
ومن ثم عاد المؤلف إلى السوق بعد الانتهاء من المراسم الدينية للعمرة، ومراسم الترحيب به وبالوفد المصري المرافق، من قبل أمير مكة ورجاله، وقد سافر بناء على دعوة رسمية من ملك البلاد. وبصورة مرحة يعرض ما حدث بينه وبين الباعة من أحاديث وحوادث تتعلق بقيمة العملة المصرية (الجنيه)، وتحويله إلى ريالات سعودية، حتى يتمكن من الشراء.
وأول ما يلحظه القارئ غلبة الهنود والفرس ضمن الباعة. ثم شكل السوق الذي يمثل المباني القديمة التاريخية بمصر (مثل خان الخليلي).وكذلك قيمة تحويل الجنيه مختلفة من بائع إلى آخر، حيث لا توجد جهة تحدد القيمة بشكل رسمي.. وأخيرا أن الجنيه المصري في تلك الفترة يعادل أكثر من عشرة ريالات سعودية (الآن الريال يعادل جنيها ونص تقريباً).
وفى رحلة العودة إلى جدة، ومنها إلى مصر، يحكي المازني كيف استقبلهم الأمير في «الكندره»، وهو قصر مهيأ لاستقبال الشخصيات الهامة، وهو نفسه الذي هبط فيه الملك عبد العزيز واستقبل رجال جدة قبل يوم من الخروج إلى المدينة في اليوم التالي، ضمن خطواته لإعلان ملكه على كل بقاع المملكة.
الكتاب: رحلة إلى الحجاز
المؤلف: إبراهيم عبد القادر المازني
الناشر: المجلة العربية كتاب العدد 396 (العربية السعودية) 2010م
عدد الصفحات: 152 صفحة
القطع: المتوسط
السيد نجم

