يبين خالد زيادة، في كتابه، أن ما حدث من اضطراب في العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي، في العقود الثلاثة المنصرمة، بدد القناعات والآمال بالتحرر من هذا الإرث الثقيل المحكوم إلى عداء تاريخي، ويستحيل التخفف منه إن لم يحتكم الطرفان إلى لغة العقل، والتي تستوحي المسامحة واحترام الآخر، وقبوله بلا شروط مسبقة.
ويستعرض المؤلف ماهية النظرة التقليدية إلى أوروبا، وما شهدته من تبدلات، كاشفا عن الوجوه التي أظهرت صورة أوروبا الليبرالية، وهو يخلص في الفصل الأخير من كتابه إلى قراءة نقدية لآراء الباحثين والمفكرين العرب، وآراء المستشرقين ورؤيتهم الطبيعة العلاقة بين الشرق والغرب.
ويبدأ زيادة بحثه برسم نتف من ملامح الصورة التقليدية الإسلامية عن أوروبا، كما وردت في كتب المؤرخين والجغرافيين، وهو يرى في هذا الشأن، أن بدايات تشكل صورة أوروبا في الآداب الإسلامية، برزت ملامحها مع ابن خرداذبة، الذي اعتمد، كما يبدو في استقاء معلوماته من ما رواه مسلم الجرماني الذي كان أسيرا لدى البيزنطيين (حوالي 845م).
أما ما يقدمه ابن رستة في (الأعلاق النفيسة)، حوالي «902 م»، من تفصيلات عن القسطنطينية ورومية، فمرجعه اسير اخر هو هارون بن يحيى. لكن المعلومات التي يقدمها المسعودي في «مروج الذهب» حول أوروبا يعتبرها المؤلف أكمل مادة عرفها المسلمون في منتصف القرن العاشر الميلادي، فقد استمدها من الجغرافيين والمؤرخين، إضافة إلى المعلومات التي جمعها بنفسه من خلال مطالعاته وأسفاره الكثيرة. ويأخذ المؤلف على المسعودي تقصيره في نواح عديدة. فهو يقدم مادة تنقصها الغزارة، وتحتاج إلى ترو وتدقيق.
ويرصد زيادة في الفصل الثاني، التحولات التي لامست العلاقات الأوروبية ؟ الإسلامية، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، مع بروز قوتين أساسيتين: الدولة العثمانية لجهة الشرق، وأوروبا الغربية في الجهة المقابلة، وكان نهوضهما عامل مواجهة، على الصعيدين السياسي والعسكري، زادت من تأججها العواطف الدينية، التي كانت تملك تأثيرا قويا على الأفراد والجماعات.
وقد مثل القرن السابع عشر مرحلة جديدة من تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، بعد هذا الكم من المعلومات التاريخية والجغرافية، التي أسهمت ولو جزئيا، في تبديل الصورة التقليدية عن بلدان أوروبا الغربية، حيث بقي المسلم معتدا بتفوقه وبقوته.
وبالانتقال إلى القرن الثامن عشر، فان المؤلف يلحظ بروز اتجاهين مغايرين في التعامل مع أوروبا وفي النظر إليها. وهما ليسا ناتجين عن تطور أوروبا وتقدمها وحسب، بل نتيجة للأوضاع الداخلية للمناطق الإسلامية.
ويتابع زيادة في هذا الفصل تقصيه لحساسية المرحلة ودقتها، مبينا واقع بروز إشارات تنبه إلى مخاطر القوة العسكرية المتصاعدة لأوروبا، وتنبه أهل السلطة إلى أهمية الإصلاح العسكري الذي كان يفترض إدخال إصلاحات جديدة على النمط الأوروبي. وهذا ما سمح بالتعرف إلى أوروبا.
ويلفت المؤلف إلى أنه ترددت أصداء الثورة الفرنسية في كافة أرجاء الإمبراطورية العثمانية، حاملة معها تباشير الحرية والعدالة والإصلاح الاجتماعي، وهذا ما انعكس بلبلة في الداخل التركي، وكان من نتيجتها وقوع محاولات مختلفة تمثلت في إجراءات جديدة أقدم عليها حكام السلطنة، رغبة منهم في مساير ة موجات التغيير.
كما يتناول زيادة في بحثه، اتجاهات النظرة الحديثة وما آلت إليه الأحوال بعيد انتهاء القرن التاسع عشر، حيث انقلب التوافق الذي بدا ممكنا بين الشرق والغرب في بداية القرن، إلى توتر عميق بين الإسلام وأوروبا. ولعل أبرز تيار ظهر آنذاك تيار الإصلاح الديني، متمثلا بآراء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا.
وهكذا أسهمت الثورة الفرنسية في انبثاق الحركة الدستورية، التي يعتبرها المؤلف من أبرز ما شهده العالم الإسلامي خلال عدة قرون ويشكل الفصل الخامس نقطة الارتكاز التي تتمحور حولها رؤية المؤلف للتطور الذي رافق النظرة الإسلامية إلى أوروبا، فينطلق في تحديد وجهتها، مستلهما آراء العديد من الكتاب العرب والغربيين، فيقف على طروحاتهم النقدية، عارضا ومحللا وناقدا ومستنتجا.
ولاغرو في القول إن هذا الفصل، إلى جانب دسامة الأفكار الواردة فيه، يضع منهجية الكاتب النقدية في موازاة ما يطرحه آخرون، من أمثال عبدالله العروي وهشام جعيط وادوار سعيد، إذ يقدم من خلال مناقشة آرائهم، ما يعين القارئ على استجلاء منابت الحقيقة وتحديد رؤية أشد وضوحا لعلاقة العالم العربي بالغرب.
الكتاب: تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا
المؤلف: خالد زيادة
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2010
الصفحات: 262 صفحة
القطع: الكبير
بيار شلهوب
