قليلة هي الدراسات الأدبية النقدية التي تناولت موضوع الأدب الروسي طوال السبعين عاما ونيف من عمر إتحاد الجمهوريات السوفييتية من الناحية الكمية، أما من الناحية النوعية فإنها نادرة إن لم تكن معدومة تلك الدراسات النقدية الموضوعية وغير المنحازة التي تعاملت مع هذه التجربة الإبداعية التي لا تقل أهمية، بأي حال من الأحوال، عن نتاج الأدب الروسي قبل الثورة البلشفية ولا عن الأدب الروسي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.

في أعقاب ثورة أكتوبر 1917، دخل الأدب الروسي في مرحلة إنفكاك عن الغرب، وهي مرحلة لا يعرف عنها إلا النذر اليسير باستثناء بعض المؤلفين، ذلك أن غالبية كتاب العصر الفضي، الذي يطلق على العقد الأخير من القرن التاسع عشر وأول ثلاثة عقود من القرن العشرين، لم تقر بالنظام البلشفي الجديد وغادرت البلاد بلا رجعة في معظم الحالات، حيث أعطى هؤلاء الكتاب إشارة بدء الأدب الروسي في المهجر.أما الذين اختاروا عكس ذلك وظلوا في روسيا لتقاسم مصير البلاد. فلقد بلغوا ذروة حريتهم الإبداعية، لكن كان لا بد من مرور بعض الوقت قبل أن تدخل قناعاتهم وطموحاتهم في حالة تصادم مع واقع الحياة اليومية والكثير منهم تم إعدامهم أو اغتيالهم على مهل خلال الحرب الأهلية الروسية، ولم تنشر أعمالهم أو تعرضوا للترهيب والترغيب كي يلوذوا بصمت مطبق.

أما الكتاب الذين لم يدعموا الثورة بلا قيد أو شرط، فلقد تمت تصفيتهم أو تهجيرهم أو تهميشهم، بينما اتسمت الفترة الأولى من الحقبة السوفييتية بانتشار كبير لتيارات جمالية متعددة، أصوات شعرية وتجارب أدبية متنوعة. وفي هذه الفترة تعايشت مجموعات أدبية عديدة راحت تتناقش وتتنافس وتغير أعضاءها في وقت قصير عموما.

إرهاصات

التصويريون اختبروا استعارات جديدة ملهمة، اعتقادا منهم بأن دهشة الصورة هي الهدف النهائي لفن الاستعارة ووصل بعضهم إلى ذروة الإبداع، في حين كان التيار الشعري لمرحلة ما قبل الثورة لا يزال مستمرا. وكانت آنا أخماتوفا لا تزال تكتب أشعارها، رغم أن إصداراتها كانت قليلة قبل أن توقفت عن الكتابة نهائيا في وقت لاحق.

وتبع ذلك تيار المستقبلية الروسية والتكعيبية المستقبلية الروسية وازدهرت في هذه المرحلة أعمال فلاديمير ماياكوفسكي، فيليميرجليبنيكوف، بوريس باسترناك، فكيور شكلوفسكس، أليكسي كروشيونوف(1886-1968)، وذلك قبل أن تظهر مجموعات أخرى مثل مجموعة «أوبيريو» ومجموعة الدادائيين.

وكانت المرة الأولى في تاريخ البشرية التي يتمكن فيها كتاب من المساهمة في إنشاء عالم جديد بالكامل وهم استغلوا الفرصة. فقد أنشأ فلاديمير جليبنيكوف، على سبيل المثال، ما يعرف بشعر «الزوم» والـ «ترانسمنتال» (سحر وفرح على طريقة المعالجات الآسيوية).

خارج هذه المجموعات، كان هناك أيضا مجموعة «الإخوة سيرابيون» الشهيرة (فسيفولد إيفنوف، ميخائيل سلونمسكي، ميخائيل زوسشنكو، بنيامين كافيرن، كونستانين فيدين، نيكولاي تيخونوف)، ومجموعة «بيريفال».

وعلى رأسها الناقد الأدبي ألكسندر بورونسكي والشاعر إدوارد باغريتسكي والكاتبان ميخائيل بريشفين وأندريه بلاتونوف وغيرهم، كما نشطت جمعيات كتاب بروليتاريين مناصرين للشيوعية كان يطلق عليها اسم (بروليتكولت)، ومن بين روادها دميمتري فورمانوف وألكسندر فادييف ومجموعة «إل إي إف» ومن بين أبرز أعضائها اوسيب آصييف، أليكسي كروشيونيخ وبوريس باسترماك.

مرحلة التحول

«البنائية»، 1923-1930، ومن أبرز ممثليها فلاديمير لوغوفسكي وإيليا سيلفنكسي، أنشدت لتحول الدولة الرأسمالية إلى اشتراكية وللنصر البروليتاري وشكلت أول غنائية جمالية خاصة بمجموعة «بروليتكولت» أو «الثقافة البروليتارية»، التي سعت إلى إيجاد فن بروليتاري خالص فراحت تكثفت أوجه العمل الجماعي، حيث راح الشعراء ينشدون للثورة ولللآلات والعمال.

أعضاء «بيريفال» نادوا، في المقابل، بأن تكون الوظيفة الرئيسية لهذا الفن معرفة العالم وبأن التحدي الرئيسي للعمل الأدبي لا يكمن في المضمون الكلاسيكي وإنما في الجودة الفنية وطالبوا بالاستمرارية الفنية بدءا من الأزمان القديمة حتى المرحلة الحالية.

منذ عام 1925 تواجهتا مجموعتان أدبيتان: «البوبوتشكيين» أو الكتاب الذي أصروا على الثورة ورافقوها والمنضوين تحت راية جمعية «جميع الروس»، المعروفة بالاختصار «آر إيه بي بي» المدعومة من الدولة، التي كانت تناضل ضد جماعة «الإخوة سيرابيون»، وضد البنائيين وضد عدة مدارس طليعية، مطالبة بأدب أقل شكلانية وأكثر شيوعا وأقرب إلى الناس في المضمون وفي الشكل.

لكن في عام 1932 تم حظر هذه المجموعات وجميع الكتاب تلقوا دعوة للانضمام إلى اتحاد الكتاب السوفييت، حيث بدأت مرحلة والإدارة البيروقراطية في عالم الأدب. في الثلاثينيات كانت روسيا معزولة عن العالم بكامله بستارة فولاذية، وبدت التصفيات الجسيدية للكتاب والفنانين الذين يحلقون خارج سرب النظام في ظل انعدام امكانية الهجرة.

التيارات الأدبية الرئيسية في هذه الفترة كانت «الواقعية الجديدة»، مع الأخذ في الاعتبار ان الفارق بين الواقعية الجديدة والواقعية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر تكمن في أن هؤلاء الواقعيون يزدرون الحياة الخاصة الهادئة، ويعتبرون الانسان جزءا مكملا للحياة الاجتماعية، وأن هذا الانسان قادر على تغيير العالم بطريقة نشطة.

أما الممثلون الرئيسيون لهذا التيار فهم مكسيم غوركي، ميخائيل شولوخوف، أليكسي نيكولافيتش تولستوي، كونتاستين فيدين، وهو تيار كان يؤمن بالطوباية وبأن الاجتماعي يعلو على الشخصي، انسان مثالي في ظروف مثالية، حيث لا بد من إزدراء الواقع وتدميره من أجل المستقبل المشرق.

والممثل الرئيسي لهذا التيار هو ألكسندر فادييف، الذي تبنى تيارا حداثويا أو ما بعد واقعي( بحثا عن معنى الحياة الانسانية في الهول الوجودي للعالم. يفغيني زامياتين ويوري أوليشا وبوريس بيلنياك وأندريه بلاتونوف واصلوا التقاليد الحداثوية للعصر الفضي وأكدوا حق الانسان في الحياة الخاصة. وفي عام 1932، ظهر مصطلح «الواقعية الاشتراكية» دامجا أفكار الواقعية الجديدة والمعيارية.

الأدب الروسي في مواجهة الحرب

في عام 1941، اندلعت الحرب الوطنية العظمى وظهرت قامات أدبية جديدة على غرار أليكسي سوركوف وكونسانتين سيمونوف وفيرا بانوفا وغيرهم من الذين كتبوا حول مأساة الحرب وشجاعة وبسالة وتضحيات الجنود السوفييت في كفاحهم حتى الموت ضد الفاشية والنازية.

وبعض الأدباء نجوا من حصار ليننغراد ووصفوا في كتاباتهم الأيام الـ 900 البطولية والمأساوية ووقفوا دفاعا عن روسيا ضد البربربية الفاشية، كما أن الكثير من الكتاب سقطوا على جبهات الحرب او قضوا نحبهم من الجوع والبرد.

وفي هذه الحقبة الحرجة من تاريخ روسيا، وقف السواد الأعظم من الكتاب المهاجرين ولو بشكل مؤقت مع عدالة القضية الروسية في ظروف صعبة كانت تمر بها بلادهم، فعاد إلى الأدب الروسي الانسان العادي كشخصية أدبية ومن أهم شعراء هذه المرحلة وكتّابها سوركوف، وسيمونوف ولوغوفسكي وتيتشين، وموسى جليل، وشارك كثير من الكتاب في القتال في جبهات الحرب واستشهد الكثير منهم، وفي مقدمة هؤلاء غايدار، وألتاوزن، وأوتكين، وكريموف، ولابين، وبتروف، وموسى جليل وأشاكوف من بين آخرين. ومن بين العمال التي ظهرت في هذه المرحلة رواية ليونوف «الغابة الروسية»، ورواية شولوخوف «هم دافعوا عن وطنهم» وغيرها.

أحداث الحرب العالمية الثانية قربت بين مصائر مختلف القوميات السوفييتية، حتى أصبح من الصعب أن يجد المرء كاتباً من الكتاب السوفييت مهما كانت قوميته لم يتناول قضية النضال الوطني في مواجهة الفاشية، وتوصل هؤلاء إلى إيجاد أدب غني شامل سمي أدب الحرب عكس فيه الكتاب بطولات الجنود السوفييت في مختلف الجبهات ومنجزات العمال والفلاحين في جبهات العمل الداخلية.

ومآثر حرب الأنصار الرديفة، والتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب، وتناول بعضهم في أعماله ذوي النفوس المريضة والمتخاذلين أمام الصعوبات، والخونة المتعاونين مع المحتل، كما في قصة شولوخوف «مصير إنسان» التي يصور فيها روح البطولة وما يلحقه وجود عميل بين صفوف المقاتلين من ضرر.

ولعل أبدع ما كتب عن أحداث الحرب مسرحية «الجبهة»، 1942، لكارنيتشوك و«الاجتياح»، 1942، لليونوف، و«الناس الروس»، 1942، لسيمونوف، و«ملحمة كيروف معنا»، 1940، للشاعر تيخونوف و«رواية القائد»، 1943، لكوليشوف، و«فاسيلي تيوركين»، 1941-1945، لتفاردوفسكي.

وفاة ستالين

لكن السلطات الروسية مارست بعد الحرب الكبرى الكثير من القمع وظلت الدولة تتدخل بشكل متكرر في حركة الابداع الأدبي حتى وفاة جوزيف ستالين، حيث بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الأدب الروسي وذلك مع نهاية «ربيع براغ»، وتتصف هذه المرحلة بالتراجع التدريجي عن «الواقعية الاشتراكية» بوصفها أسلوبا أدبيا وبتنوع المسيرة الأدبية والعودة إلى القيم الانسانية الخالدة.

نشرت رواية «دكتور شيفانو» لبوريس باسترناك خلال هذه الفترة، بينما راح الشعراء والأدباء المحظورين من العصر الفضي الروسي وسنوات العشرينيات بما فيهم ييسين وزامياتين ومابوكوف ونيكولاي روبستوف وبلوتا أوكودزافا- رواحوا يستعيدون قراءهم، كما ظهرت تيارت شعرية جديدة تحت مسميات مثل «شعر ملاعب كرة القدم» و«شعراء مع الجيتار».

و«الطليعة الجديدة»، وراحت هذه التيارات تدافع عن القيم الرومانسية مثل الصداقة والمساعدة المتبادلة والمسؤولية الشخصية والفردية عن كل انسان يعيش لأجل الشر في العالم مثلما دافعوا عن الأخلاق بمفهومها العام متنازلين عن كل التزام أخلاقي سواء في الحياة الخاصة أم العامة.

في أدب الدعاية، تبرز كتب فالنتين كاتاييف في الستينيات و«قلعة برست» لسيرجي سميرنوف. أما في أدب الأطفال والشباب فلقد برز العديد من الأدباء مثل آغنيا بارتو وفيتالي غوباريف ونيكولاي نوسوف ويفغيني فيلتسيتوف، في حين كان من أبرز الكتاب المسرحيين في تلك الفترة ألكسندر فامبيلوف، يفغيني شفارتسن فكتور روزوف وأليكسي أربوزوف.

من بين كل الحصيلة السابقة، يمكن القول إنه من أشهر الكتاب السوفييت المعروفين عالمياً في الوقت الحاضر أيتماتوف، الذي ذاع صيت مؤلفاته «جميلة» و«المعلم الأول» و«وداعاً يا غولساري» و«الأرض الأم» و«النطع» وغيرها.

وقد ترجم عدد كبير من هذه الاعمال إلى اللغة العربية. كما يعد الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف والشاعر يفتوشينكو والكاتب راسبوتين من بين آخرين من أشهر الشعراء الروس حول العالم.

في ثمانينات القرن العشرين، اهتم الكتاب السوفييت بتطوير مدرسة الواقعية الاشتراكية عن طريق الانفتاح على التيارات الأدبية الأخرى في العالم. وبرز هذا الاتجاه بوضوح بعد الشروع في عملية إعادة البناء في الاتحاد السوفييتي السابق وفي بقية بلدان المنظومة الاشتراكية، حيث راحت تعلو أصوات تنتقد مدرسة الواقعية الاشتراكية وتدعو إلى الخروج من أطرها الحزبية الضيقة وإلى تبني المدارس الأدبية الأخرى التي سادت في كنف الآداب الأوروبية في هذا العصر.

وظل الصراع قائماً حول مجموعة من القضايا وفي مقدمتها قضية تقويم الماضي وتحديد التوجهات الرئيسية للتطور الأدبي السوفييتي في المستقبل، لكن انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 وتفككه إلى جمهوريات شل تلك المحاولات وصرف الأنظار عنها إلى إحياء الآداب القومية لكل جمهورية من الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي على حدة.

باسل ابو حمدة