يصر بعض المثقفين والمبدعين في الوسط العربي، على ترسيخ الحد الفاصل بين الفن النخبوي والفن الشعبوي، بل يصل التطرف عند البعض.

ومنهم مبدعون أيضا، إلى تخصيص المقاعد وأساليب التعاطي، فقد لا يدعى إلى عرض مسرحي، أو عمل فني كل من في الجوار، تحت حجة أن ما للنخبة للنخبة وما للعامة للعامة. وبدأ مع هذا تفصيل الأعمال الإبداعية وإطلاق الصفات والأحكام عليها.إن الفاجعة في هذا التفريق وهذا الفصل تأتي من قبل المبدعين أنفسهم. هذا إلى جانب أنه مارس النقاد شيئا من الجهل حيال الموضوع، فكرسوا الحدود والفواصل. وفي دائرة المسرح العربي، يمارس العديد من المسرحيين ذلك الفصل التعسفي، فهناك مسرح نخبة وهناك مسرح جماهير يطلق عليه أحيانا الشعبي، وأحيانا أخرى التجاري.

لكن المسرح في مقابل هذه الدعوات هو المسرح الذي قال عنه المسرحي البريطاني بيتر بروك مختصرا مفهوم عمليته الإبداعية.وملخصا وجوده منذ نشأته في المعابد اليونانية، إنه يكفي أن تضع عمودا خشبيا يقف بجانبه ممثل يقوم بأداءات معينة لكي يتحلق المارة حوله، وأينما تحققت هذه المعادلة يكون المسرح. فلا نخبوي ولا جماهيري إذا ما قسنا بمقاييس اختصار بروك الشهير، لشرط تحقق عملية الفرجة التي هي روح المسرح. تياران إن المسح الشامل لحال المسرح في المنطقة، يكشف عن تيارين متضادين من المسرح والمسرحيين، تيار يذهب إلى خشبة المسرح لكي يمارس الفعل المسرحي باحثا ومشتغلا ومنقبا ومجربا وشاطحاً بخيالاته، تحت ضغط البحث عن جوهر الإبداع الأدائي.

وتيار يذهب إلى المسرح ليكون مع الناس وبقربهم يجسد حيواتهم ويكشف عن نقاط ضعفهم، تيار يقول إن المسرح هو العملية الإبداعية السحرية التي لم تكتشف بعد، وتيار يرى أن هذا التعقيد لا لزوم له، حيث المسرح فرجة فيها الشيء الكثير من الفرح وتحمل رسالة. لهذا تعارفت الأوساط المسرحية العربية، وهنا في منطقة الخليج على اصطلاحات.

تفند عمل التيارين تحت شعار النخبوي والآخر الجماهيري. قد تكون هذه الحالة طبيعية في واقع الأمر، إذ تتباين أساليب التعاطي مع الفنون بأشكالها المختلفة، تبعا للفروق الفردية التي تميز بني البشر عن بعضهم، وتبعا لتوجهاتهم، فقد يكون دافنشي وهو يبحر في رسم الموناليزا، وفي لحظاته تلك يمارس متعه باختياراته، ولا يمكن أن نقول انه أنجزها في زمن واحد قصير، فلربما مرت أيام أو شهور وتقلب فيها مزاج دافنشي، وصارعته الحياة وهو يستمر في إنتاج لوحته الخالدة.

المسرح بين النخبوي والجماهيري

تيار النخبة في المسرح ينحصر اليوم في إطار عروض مهرجانات تنافسية يتم إقامتها من أجل إفساح المجال أمام المسرحيين للدخول في مباريات تنافسية منوعة، إذ تفتش المهرجانات عن أفضل أساليب الإخراج وأساليب الفنون الأدائية وما يلاصقها من ممارسات، وفي نهاية المطاف تجمع الفرق المسرحية، بممثليها ومخرجيها وكتابها وتقنييها لكي يُعلن عن الأميز من بينها.

وربما تشكل المهرجانات وهي تنتشر بالعشرات في أرجاء الوطن العربي، ورشا موسمية لكتاب المسرح والمخرجين والممثلين، حيث يكون المجال مفتوحا لممارسة أساليب مسرحية لا تكون مطروقة، إذ تشكل هذه السانحة فرصة للابتداع والإبداع، لكن ناتج هذه الأعمال لا تراها إلا النخبة من المسرحيين والنقاد والذين تستهويهم الأعمال التجريبية، في ما على الجانب الآخر لا تنجح هذه الأعمال حين تطرح أمام جمهور الشارع، إذ يرى فيها أنها قاتمة وسوداوية وبعيدة عن واقعها..

وبين رأي النقاد وتوجهات جمهور العامة، أو جمهور الشارع، تضيع وتغيب جهود كبيرة. لهذا يرى قسم المسرحيين المعتدلين أن أعمال المهرجانات لا تصلح للتعميم ولا للعروض المفتوحة للعامة، ولا يمكن الدخول إليها بتذكرة دخول مدفوعة الثمن، لهذا فان المسرح الذي يجب أن يذهب إلى جمهور الشارع يجب أن يكون سهلا وممتعا قائما على الكوميديا والتسلية، في ما على الجانب الآخر يتهم أنصار المسرح النخبوي زملاءهم في المسرح الجماهيري ببيع الفن وتسليعه، والنزول به إلى أدنى مستويات الطرح والتناول.

ويتهم أنصار الجماهيري أصحاب المسرح النخبوي بالسوداوية والتعالي على المتلقي والذهاب به إلى مناخات بعيدة عن واقعه، وأنه نوع من المسرح لا يتناسب والثقافة المحلية.

وفي الساحة العربية توجد اليوم أعمال مسرحية جادة ونخبوية، تمثل قيمة كبرى في المسرح العربي، مثل ما توجد أعمال مسرحية جماهيرية بقيت ولا زالت، علامات في سماء المسرح العربي.وفي الحال المحلي في الإمارات، كانت علاقة المسرح بالجماهير علاقة طبيعية عند اللقاءات الأولى، فالمسرح بدأ مع الجمهور، وكانت فرقة المسرح القومي التابعة لوزارة الإعلام في منتصف السبعينيات تقدم أعمالا كوميدية يحضرها حشد من الجمهور، بالرغم من أن قاعة العرض كانت مكشوفة ومعرضة لتقلبات الطقس.

فمسرحية مثل (شركة العجائب) لأبطال الرعيل الأول: عبيد صندل، عبدالله المطوع، وغيرهم، حملت من الجرأة الشيء الكثير، وهي جرأة مغمسة في إطار من الكوميديا، وقدمت فرقة مسرح دبي الشعبي في بداية الثمانينيات مسرحية (ولد فقر طايح في نعمة) وعالجت الطفرة الاقتصادية التي أثرت على بعض الأفراد بالسلب، واستمر المسرح الإماراتي في علاقة جيدة مع جمهوره، ثم ما لبثت أن تبدلت الحال حينما جنح المسرحيون إلى تأثيرات المرحلة السياسية والثقافية في بداية التسعينيات، وكان تأثير الحداثة واضحا.

وبدأ عندها المسرح الإماراتي يرود مناخات التجريب والتجريد، وظهرت تيارات مسرحية مغايرة، ثم جاء مهرجان أيام الشارقة المسرحية ليأخذ الأعمال المسرحية إلى أسلوبية مختلفة كرستها بعض النصوص والمعالجات الدرامية.

وذهب الجمهور بعيدا وانزوى المسرحيون في قاعاتهم يبحثون عن الفريد والنوعي في المسرح. وكانت المسألة أشبه بالتضحية، أو بالمقايضة، فالمسرح الإماراتي كان بحاجة إلى أن يفتح بوابته أمام مختلف التيارات المسرحية، وكان عليه أن يخوض غمار نصوص عالمية وعربية، مثل: (حكاية صديقنا بنجيتو)، (انتظار جودو)، (بائع الدبس الفقير) للراحل سعد الله ونوس، وغيرها من الأعمال العربية.

هذا الانفتاح كان مطلوبا للمسرحيين أنفسهم لكي يعبروا عن تقانتهم المسرحية ويجربوا الأعمال المسرحية العالمية، في ظل غياب النصوص المسرحية المغرية. فتمت التضحية بالجمهور على حساب تدعيم الثقافة المسرحية لدى الفنان المسرحي.

عودة

بقي الحال على ما هو عليه مع تأثيرات المخرجين العرب الذين عملوا في ساحة المسرح الإماراتي، وانفتحت الحركة المسرحية في الإمارات بعبورها الحدود حين بدأت تشارك أعمالها في مهرجانات عربية ودولية، ومن خلال تلك الجهود صار للمسرح الإماراتي اسما خارج الحدود، وكان لذلك ضريبة دفعها المسرحيون الإماراتيون حين ابتعدوا عن جمهورهم.

ولم يكن خطأ بل حاجة فرضتها متطلبات مرحلة النهوض، وبالرغم من ذلك حاولت بعض المسرحيات بين فترة وأخرى، إلى جانب بعض جهود من المسرحيين للعودة بالمسرح إلى قاعدته الأصل، فحين تخرج الفنان حسن رجب من المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت، عاد ليشكل ظاهرة جديدة في المسرح الإماراتي، فقدم أعمالا كوميدية عالجت قضايا اجتماعية، وفتح لها شباك التذاكر. فقدم (فالتوه واحد) و(فالتوه2).

وعلى أثر نجاح التجربتين الجماهيريتين، عاد من جديد فقدم مسرحية (مال الهجان) واستطاع رجب إعادة جمهور الشباك والمسرح الكوميدي إلى وضعه الطبيعي. ثم سرعان ما غاب رجب وراء إغراء المهرجانات ليثبت نفسه كمخرج يستطيع أيضاً أن يقدم النخبوي.

واثبت رجب ذلك، وحاز على عدة جوائز، واقنع نقاد المسرحي النخبوي بقدراته. عمل في المسرح الجماهيري أيضاً المخرج والمؤلف المسرحي ناجي الحاي صاحب (حبة رحل) و(البراحة) و(سفر عميان) و(وما حدث لأحمد بنت سليمان) حين استغل جماهيرية الفنان جابر نغموش، وعمل سويا مع الكاتب الكوميدي جمال سالم فقدم(شمبريش) و(فراش الوزير)، اللتين أعادتا الجمهور إلى مقاعده في صالات العرض. كانت موجات تهب للمسرح الجماهيري بين فترة وأخرى.

لكنها فترات متباعدة لم تستطع إقناع المتفرج. لكن ومع تراكم الأعمال النخبوية وأعمال المهرجانات تراجع الجمهور بالتدريج، بل واتخذ موقفا من أعمال المهرجانات التي رأى أنها لا تحقق له الفرجة التي يريد..

لم تقتصر أعمال المسرح الجماهيري على المخرجين رجب والحاي، ولكن أيضاً كانت هناك محاولات من مخرجين آخرين، فظاهرة مسرح دبي الشعبي المتمثلة في سلسلة أعمال كوميدية، شكلت هي الأخرى عامل جذب للجمهور حين بدأ الفنانان أحمد الأنصاري وعبدالله صالح والفنان محمد سعيد، برفقة الفنان عبيد على وعادل إبراهيم، تشكيل كوكبة لامعة من نجوم الكوميديا، فقدموا (بومحيوس في بتايا) و(بومحيوس في ورطة)، واجتذبوا إليهم الفنان الكويتي القدير غانم الصالح في مسرحية (مع أبي والتحية) ثم (الدكتور فاس)، والعديد من الأعمال التي حققت للفرقة نجاحا باهرا.

مرعي الحليان