في حالة الترويج بشكل معين، لقصة أو موضوع أو خبر ما، لا تحوز أي جانب مصداقية أو صحة حتى. فهذا يعني أننا أمام شائعة، تحتمل كل شيء إلا أن تكون قريبة من الحقيقة، حتى وإن تضمنت جزءا منها، لكنها ستكون موظفة لهدف ما.
ومن الصعب جداً إثبات صحتها وحقيقتها، فالشائعة ليس لها وسط أو مناخ معين، إنما تظهر وتنتشر في جميع الأوساط والأوقات، إذ يمكن أن تنتشر في زمن السلم أو الحرب، وفي أوقات الرخاء والانتعاش الاقتصادي، وتكبر أثناء تناقلها كما كرة الثلج، أو تنتشر بسرعة بين الناس،مثل النار في العيدان اليابسة. لا يأتي ظهور الشائعة والترويج لها بطريقة عبثية، بل موظفة ومدروسة، تحددها الأهداف التي وضعت من أجلها، مثل إضعاف الروح المعنوية للناس، ونشر الذعر والخوف بينهم، وتظهر هكذا شائعات أيام الحرب، وتروج إما بواسطة عملاء للعدو، أو قد تخلق محليا من قبل مجتمع ما، وذلك بسبب الانفعالات والمشاعر المختلفة التي تسود هذا المجتمع.
وهناك شرطان أساسيان يتصلان بإذاعة الشائعة وتداولها، أولهما مدى أهمية موضوع الشائعة بالنسبة لجماعة أو فئة معينة، وثانيهما مدى الغموض الذي يكتنفها، خاصة وأنها غالبا ما تتضمن بعض الحقيقة والصحة، ولكن عند إذاعتها وترويجها، تحاط بأمور خيالية تمتزج مع الحقيقة، بحيث يتعذر فصلها عن الخيال فيها. أنواع الشائعات صنف المعنيون الشائعات في عدة أنواع، وهي الشائعات التعبيرية التي يعبر فيها الأفراد عن أنفسهم، ومدى شعورهم تجاه الآخر، أو الأزمة فيمزج الفرد أمنياته وأحلامه بإطلاق قول ما، ويتخيل أنه حدث بالفعل فيتعامل معه كأنه حقيقة، ما يؤدي إلى الراحة، وذلك حتى يحمي نفسه لا إراديا، من الشعور بالخطر الذي قد يتهدده.
وهذا بينما تصدر الإشاعات التفسيرية عن الناس الذين صدموا من الحدث المفاجئ، ويبحثون له عن تفسير، في حين تصدر الإشاعات التبريرية عن طريق مصدر معلوم ومحدد، ويصدر قرار للجمهور، وبعده مباشرة تنتشر إشاعات بهدف السيطرة على الرأي العام، ليبرر فيها حكمة ورشد هذا القرار. أما الإشاعات التدميرية فتهدف لتدمير الصورة الذهنية لشخص حقيقي أو معنوي، من أجل مصلحة آخرين، وأخيرا تهدف الإشاعات العلاجية «لعلاج الإحباط واليأس»، بتمرير أخبار وهمية ولكنها محببة، إلى نفوس الجماهير، ليحلموا بها، وهي تحوز هنا أولوية مطلقة في حياتهم، خاصة ما يتعلق منها بمعجزات دينية، أو بالصحة أو المال، وهي شائعات قصيرة المدى الزمني.وفي المحصلة نجد أن نجاح الشائعة يرتبط بمدى ملاءمتها للتركيبة النفسية للمتلقي، ومن هنا تكون انتقائية، لأنها تؤثر بمجتمع بعينه كونها تتفق مع عواطفه ورموزه وثقافته واحتياجاته وصعوباته ومشكلاته، ولهذا لا تؤثر في مجتمع آخر لا يفهم مدلولاتها أو رموزها، فتضخيم حادثة أو مصيبة ما لا يعني شيئا لأصحاب الشأن.
أشكال مختلفة
هناك أشكال أخرى للشائعة تعتبر الأسطورة أقدمها، إذ كانت تقوم بوظيفة سد الفراغات المعرفية المتعددة في الزمن القديم، وذلك عندما كانت المعرفة بدائية، ووسائل الحصول على المعلومات محدودة.
كما وجدت علاقة بين النكتة والشائعة، بحيث يمكن اعتبار النكتة شائعة كاريكاتورية، فالنكتة مثل الشائعة تعتمد على العناصر الأسطورية والتاريخية والعرقية والدينية والاجتماعية، وهي الشكل المفضل للشائعات التي تملك مقومات الشائعة، لكن بطبيعتها الساخرة تجتاز حواجز عقلانية ونفسية كثيرة، فالنكتة بذلك تسهل نشر الشائعة وتساعد على تخطي عقباتها وتعويض نقائضها.
وكذا عندما تتحول أنماط الدعاية والإعلان إلى المبالغة أو التدليس في عرضها لسلع معينة أو الترويج لمشروعات أو شركات معينة، حيث تندرج هنا تحت أسلوب الشائعات، بفعل الترويج لمشروعات أو شركات أو أشياء غير حقيقية، باستخدام وسائل الإبهار الفنية، وفي هذا الإطار قد ينحرف الإعلام عن رسالته، ويصبح صدى لبعض الجهات، ويتورط أحيانا بنشر إشاعات كاذبة توظف الأخبار أو التحقيقات أو المقالات، وهو ما يشوه الحقيقة ويزور والأحداث.
الشائعة أقدم وسائل الإعلام
تناول الكاتب جان نويل كابفيري في كتابه «الشائعات.. الوسيلة الإعلامية الأقدم في العالم»، تناول الشائعة كأقدم وسيلة إعلام، مقسما الكتاب إلى أربعة أجزاء، ويبدأ فيه من ظاهرة انتشار الشائعات، حيث إنه، وعلى الرغم من تكاثر الوسائل الإعلامية، لا تزال العامة تستقي الكثير من معلوماتها من المحادثات الشفوية.
وبرغم أن مشكلة مصدر الشائعة تستهوي العامة، فهي وللمفارقة، ليست أكثر الموضوعات إثارة للاهتمام، والواقع أن تعقب المصدر يندرج في إطار أسطورة ترمي إلى أن تثير الشائعة عمدا، ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتملك الناس الرغبة في ترداد الشائعة على مسامع الآخرين؟
يرى الكاتب أن هذا السؤال يخطر أيضاً كل مساء، في بال رؤساء تحرير الصحف المحلية، إذ تتكدس على مكاتبهم البرقيات والبيانات والتقارير والملاحظات، وقد قال صاحب إحدى الصحف يوما: «الخبر هو ما يجعل الناس يتحدثون».
ومع أن هذا التعريف غير مقنع فهو يحمل في طياته دلالة مهمة، فالمعلومة التي لا تشكل خبرا لا يمكن أن تولد شائعة. ويقارن الكتاب بين قارئ الصحيفة والمستمع إلى محادثة منقولة، ويتوقف عند حدود معينة، فالنظر إلى الموثوقية التي تتمتع بها وسائل الإعلام، يدفع القارئ للاعتقاد أن الواقع المنقول حقيقي مثبت وصحته ثابتة، أما المستمع فلا يملك هذا اليقين وإن كان يعتقد بإمكان وقوع الحدث، إلا أنه يحتاج إلى اليقين من صحة الخبر، وإلى معرفة وجهة نظره الشخصية في ما يتعلق بالخبر.
إن جهل البعض ودورهم في نقل الشائعة دون تثبت الأمر، يؤدي إلى إرباك لدى الرأي العام، وهنا يأتي دور الإعلاميين والمثقفين، وغيرهم من قادة الرأي من المسؤولين لدحض الشائعات، عبر نقل الحقائق أولا بأول، لأن الشائعات لا يمكن لها أن تظهر وتتعاظم إلا في غياب الحقائق. إذ قال أحد خبراء الإعلام: «تنتشر الشائعة عند توفر شرطين أساسيين، وهما الأهمية والغموض».
علم نفس الشائعة
ظهرت دراسة «علم نفس الشائعة» بتوسع أثناء الحرب العالمية الثانية، بعد أن لاحظ عالما النفس، ألبورت وبرستمان، أهمية الشائعة والشائعة المضادة، في التأثير في معنويات الناس وأفكارهم واتجاهاتهم ومشاعرهم وسلوكهم، حيث وجدا أن الشائعات تنتشر أكثر في وقت الأزمات، وفي الظروف الضاغطة أو المثيرة للقلق، كالحوادث والحروب والمصائب، على مختلف أنواعها الاقتصادية والعائلية والاجتماعية، ولاحظا أيضاً أنها تنتشر أكثر حين يكون هناك تعتيم إعلامي أو غموض ما.
وهكذا قاما بعمل الكثير من التجارب في عام 1945، ثم كللا جهودهما العلمية بوضع كتاب «علم نفس الشائعة»، وعرضا فيه معادلة على غرار الرياضيات، مفادها أن انتشار الشائعة يساوي أهمية الموضوع المتصل بها، مضروبا في مدى الغموض حوله: فإمكانية الشائعة يساوي موضوع مهم أو أشخاص مهمون زائداً غموض حول الحدث أو الموضوع أو الأشخاص.
شائعات الوسط الأدبي
يبحث الكاتب والناقد الراحل رجاء النقاش، في كتابه «قصة روايتين»، بعمق، في خبايا الشائعات، ليخرج ببعض الحقائق التي يطرحها في فصول كتابه هذا المصنف كدراسة نقدية وفكرية، حيث تناول فيه النقاش رواية «ذاكرة الجسد» للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، وأيضا كتاب «وليمة لأعشاب البحر» للروائي السوري حيدر حيدر، وناقش في مضمونه الشائعات الأدبية التي أثيرت حول رواية «ذاكرة الجسد»، مركزا على نقطة احتمال كونها مكتوبة بقلم آخر (الشاعر الراحل نزار قباني، أو الشاعر سعدي يوسف).
كما اكتشف النقاش في كتابه، العلاقة المثيرة جداً بين «ذاكرة الجسد» و«وليمة لأعشاب البحر»، حيث إنه وبعد عام من الفتنة الأدبية، كما يسميها، والتي ثارت حول الروايتين، قال النقاش في بداية كتابه «كتبت بعد أن هدأت العاصفة قليلا، حيث تجنبت الكتابة وقتها، الرواية الأولى «ذاكرة الجسد» أشيع أن لها كاتبا آخر «نزار، سعدي» والرواية الثانية هي وليمة لأعشاب البحر اتهمت أنها ضد الدين».
وفي الفصل الأول يستعرض النقاش، تحت عنوان «روايتان متشابهتان - فأين الأصل وأين الصورة؟»، تفاصيل الراويتين، إضافة إلى طبيعة وخبايا وتفاصيل الضجة التي أثيرت حولهما.
وبسبب هذه الضجة قرأ رجاء النقاش الروايتين وكان اكتشافه مثيرا، وهو «أن الروايتين متشابهتان إلى حد التطابق»، فالخلفية العامة واحدة، وهي أحوال الجزائر بعد الاستقلال، والفكرة الأساسية متشابهة أيضا، وهي نقد الواقع الجزائري، والعربي بوجه عام منذ السبعينيات من القرن الماضي، وكل من الروايتين تتغنى بمدينة جزائرية:
عنابة في «وليمة لأعشاب البحر»، وقسنطينة «في ذاكرة الجسد». وهذا إلى جانب التشابه في شخصية بطل الرواية، فهو ثوري سابق، تركت الثورة آثارا في نفسه في الأولى ففقد ساقه في حرب التحرير. وفي الثانية فقد البطل يده.
كما تنشأ قصة حب بين البطل والبطلة في كلا العملين، وتفشل علاقة الحب فيهما، نتيجة تدخل أحد المنتفعين من الأثرياء، كما يوجد ذكر في الروايتين للشاعر الجزائري مالك حداد، الذي قرر بعد الاستقلال ألا يكتب إلا بالعربية. كما أشار رجاء النقاش إلى التشابه الشكلي في اختيار اسم خالد في الروايتين.
ولكن السؤال الهام الذي طرحه رجاء النقاش: «أيهما الأصل؟..». وبالرجوع إلى تاريخ كتابة الروايتين يكتشف أن «وليمة لأعشاب البحر» مكتوبة بين الأعوام 1974 - 1983.
وأما ذاكرة الجسد فقد انتهت منها كاتبتها في العام 1988. ولكن لماذا لم يسمع أحد بالوليمة إلا بعد 17 عاما من كتابتها، وذلك بعد أن فسرت على أنها ضد الدين، بينما نجحت رواية مستغانمي من أول طبعة، ونالت عليها جائزة نجيب محفوظ؟
ومن هنا حاول رجاء النقاش في الفصل الثاني، الذي جاء بعنوان «معركة الأظافر الطويلة»، استكشاف أسباب نجاح «ذاكرة الجسد»، وأول سبب برأيه، هو شخصية الكاتبة، كما سمع عنها أنها نشطة ومتفتحة ومهتمة بالظهور الإعلامي، ولديها علاقات جيدة في الوسط الأدبي والصحافي، وزوجها هو صحافي وأديب لبناني، كما أن تصريحات مستغانمي صريحة وجريئة، وتلفت النظر إليها دائما، على عكس شخصية حيدر الانطوائي والخجول، والذي يفضل العزلة والصمت.
والغريب أن شخصية كل منهما لم تظهر في الرواية، إنما ظهر العكس، فقد جاءت رواية أحلام ملتزمة ومحافظة، وجاءت رواية حيدر فجة وصريحة إلى أبعد الحدود أحيانا. ويستشهد النقاش بدراسة أدبية كتبتها الأردنية المقيمة في لندن، الكاتبة زليخة أبوريشة، تقول فيها:
«نجاح الرواية يعود إلى قدرة الكاتبة على تسويق منتجها، واحتفاء الكثيرين بكل ما هو جزائري، فقد تم تقديم الرواية على أنها أول رواية نسائية جزائرية باللغة العربية، وهذا يمكن تفنيده بسهولة، لكن هذا لن يؤثر في نجاح الرواية، فكما المال يجلب مالا، فالنجاح يجلب نجاحا».
ويعلق رجاء النقاش بأنه ربما يتفق مع ما ذكرته أبوريشة، لكن هذا غير كاف لإنجاح الرواية، فهناك عوامل أدبية في الرواية، أدت إلى نجاحها الاستثنائي. وأخيرا يناقش الكاتب في الفصل الثالث، الأسباب التي أدت لنجاح «ذاكرة الجسد»، رغم أنها رواية من نسخة أخرى، ويرى أن الرواية في أي ميزان أدبي عادل، يوجد فيها نقطة ضعف رئيسية، وهي اعتمادها على أصل أدبي معاصر، وهو رواية «وليمة لأعشاب البحر» لـ حيدر حيدر.
لكن التاريخ الأدبي في العالم يسجل أن الموضوع الواحد يمكن أن يكتب بأكثر من زاوية، كما حدث مع «أسطورة أوديب». وفي الأدب العربي باب ضخم اسمه السرقات الأدبية في الشعر خصوصاً، واستشهد النقاش ببعض منها، ليصل للقول إنه بالرغم من إعجابه الشديد بموهبة حيدر المتوحشة.
كما وصف، لكن «ذاكرة الجسد» تفوقت على عمله المذكور، في الأداء الفني والأدبي، وتخلصت من الكثير من الأخطاء التي وقع فيها حيدر.إن مثل هذا المثال الأدبي، هو فعليا ما يحث القارئ ليعود إلى التساؤل والتفكر والتأمل والنقاش، عن مدى صحة الشائعات التي أطلقت حول الروايتين.
عبير يونس



