يُعتبر الزجاج من المواد كثيرة الاستعمال في حياة الإنسان اليوميّة، فهو يدخل في العديد من الحِرف التقليديّة، والصناعات الحديثة، والأدوات المتعددة الاستعمال والوظائف والمهام. فمنه تُصنع المرايا المختلفة الأشكال والمهام والزجاجات والقوارير والصحون والصواني والكؤوس والرفوف والنوافذ.كما يدخل في صناعة التلفزيونات والعدسات والكاميرات والحواسيب والسيارات والطائرات ووسائل النقل الأخرى.
تدخل مادة الزجاج في تركيبة الكثير من الحاجيات في حياتنا ، منها تُصنع الطاولات، ووسائل الإضاءة، والمزهريات ... وأشياء أخرى كثيرة، يصعب تعدادها جميعاً، أو الإحاطة بمساهماتها في الحياة اليوميّة للإنسان المعاصر، سواء تلك التي يمضيها في منزله، أو تلك التي يمارسها في العمل والتنقل وأوقات الراحة والعطل. يُضاف إلى ما تقدم، أن الزجاج صار جزءاً أساساً من العمارة المعاصرة، الداخليّة منها والخارجيّة، بل أصبحت غالبية المباني والمنشآت، تقوم بشكل رئيسي عليه وعلى الحديد والفولاذ وباقي المعادن.
حكاية الزجاج الزجاج هو جسم صلب لا بلوري يتمتع بظاهرة الانتقال إلى الحالة الزجاجيّة. وهو شفاف، قاس، سريع العطب، عاكس وعاشق لمفاتن الضوء. واكب الزجاج تطور الإنسانيّة منذ العصر الحجري، حيث استخدم حجر السبج Obsidiam الطبيعي الزجاجي البنية لتشكيل أدوات القطع والسهام والمرايا. رغم الغموض المحيط باكتشاف الزجاج، إلا أن غالبية الآراء تتفق على أن بلاد الشام لا ينافسها أي مكان في مضمار مساهمتها الأصيلة في اكتشاف تقانات الزجاج وتطويرها، حيث ينسب المؤرخ (بليني الكبير) اكتشاف الزجاج إلى المصادفة، حين استخدم تجار فينيقيون حجارة النطرون مساند لقدر لطهي طعامهم على شاطئ مدينة عكا الغني بالرمال.
وبفعل نار الموقد، تفاعلت حجارة النطرون مع الرمال السيليسيّة، وتكونت مادة زجاجيّة شافة. وقد عثر عالم الآثار الفرنسي (كلود شيفر) في رأس شمرا (أوغاريت) في سوريا على خرزات وأسطوانات زجاجيّة، وخاتم من زجاج ازرق ترجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد.ويؤكد بعض المؤرخين أن صناعة الزجاج بدأت في بلاد الشام وانتقلت إلى مصر على يد بعض الصناع الذين اصطحبهم (تحوتمس الثالث) بعد غزو سوريا. وقد نقل التجار الفينيقيون زجاج صيدا وصور إلى أنحاء مختلفة من العالم القديم، واستمرت هذه التجارة رائجة حتى العهد الروماني.
خواص
تتألف معظم أنواع الزجاج الصناعي من أكاسيد لا عضويّة، تصنف ضمن ثلاث فئات:
1 ـ الأكاسيد المشكلة للشبكة في بنية الزجاج.
2 ـ الأكاسيد المغيّرة لبنية الزجاج.
3 ـ الأكاسيد الوسطيّة التي تنتمي للزجاج.
يتحكم تفاعل الضوء مع الزجاج في معظم خواصه البصريّة، وتعبّر الشفافيّة أو النفوذيّة عن امتصاص الضوء في الزجاج وانعكاس بعضه على سطحه. ولتلوين الزجاج، فإن إضافة كميات قليلة من المعادن الانتقائيّة أو الأتربة النادرة، يمكن الحصول على طيف واسع من الألوان لأغراض الزينة والعمارة وزجاج الليزر المشوب بالينوديم لتطبيقات الاندماج النووي والتضخم.
يحتل الزجاج حالياً مكاناً مرموقاً في الحياة اليوميّة بفضل خصائصه الفريدة كمرشح اصطفائي للضوء، وحاجز حراري، ومقاوم للتآكل، ومادة هندسيّة. يهيمن السيليس على صناعة الزجاج منذ نشأتها بفضل قابليته على التزجيج ووفرته ورخص كلفته.
ونتيجة للحاجة المتعاظمة له، نشطت الأبحاث لإيجاد أنواع جديدة منه، تلبي متطلبات الصناعة المتطورة، والعمارة المعاصرة، فكان زجاج الكالكوجينات، وزجاج الفلوريدات، والزجاج المعدني، والزجاج نصف الناقل، وزجاج الليزر، والزجاج الفعّال حيوياً للترميمات العظميّة، والزجاج المشع لمعالجة الأورام موضعياً، والزجاج لتخزين النفايات النوويّة، والزجاج القابل للانحلال كسماد زراعي، والزجاج المستخدم في الواجهات والسقوف الفوتوفولطائيّة المتكاملة، وتتجه المساعي اليوم، تحو البناء الزجاجي الكامل، وتشييد بعض الجسور منه.
الزجاج والفنون
إلى جانب ما تقدم، اخترق الزجاج مجموعة من الفنون. فبعد اختراقه الهندسة المعمارية، والهندسة الميكانيكيّة، وصل إلى هندسة الديكور (العمارة الداخليّة) وباقي أسرة الفنون التشكيليّة، حيث دخل في التصوير، والنحت، وأقيمت منه تشكيلات فراغيّة داخليّة وخارجيّة، وصُنعت منه مناهل مياه، وبحيرات تزيينيّة، وأحواض متعددة الاستخدامات، والمراكب، والغواصات البرمائيّة، واقتحم عالم الإلكترونيات والأقمار الصناعيّة، بل باتت صناعة الزجاج تدلي بدلوها في مجالات المعرفة، ولها مكانتها في علوم المستقبل، وحضارة القرن الواحد والعشرين.
تتعدد استعمالات الزجاج في الحِرف والمشغولات والفنون. فهناك الزجاج المعشق، والزجاج الملوّن، والزجاج المرسوم عليه بطرائق مختلفة منها الحفر، حيث يؤتى بلوح من الزجاج، ويوضع تحته الرسم المراد حفره بوساطة آلة خاصة يستخدم فيها الرمل والهواء المضغوط، أو بوساطة بعض الأحماض الكيماويّة.
حيث توضع في الأماكن المراد حفرها، ثم تملأ المساحات المحفورة بالألوان أو بقطع بلاستيكيّة، وهذه الألوان إما باردة أو حراريّة (مواد مؤكسدة) يتم إدخالها إلى الفرن حيث يتحول اللوح إلى قطعة فنيّة. أما الزجاج المعشق، فله عدة طرق لتنفيذه.
الزجاج والعمارة
لم يقتصر استعمال الزجاج على العمارة الداخليّة (الديكور) بل تعداها إلى العمارة الخارجيّة، حيث أنشئت منه أبنية ضخمة ومتميزة بتكويناتها وأشكالها، أصبح البعض منها، نقاط علاّم، إن لم نقل من عجائب عصرنا.
منها على سبيل المثال لا الحصر أهرامات (بي) نسبة للمهندس الياباني المعروف (بي)، وكصالة الهرم الزجاجي في متحف (اللوفر) بباريس، وجامعة المكسيك في مدينة مكسيكو، وحي (مانهاتن) في نيويورك، وسيدني في أستراليا، وتورنتو في كندا.
من البدايات الأولى لاستخدام الزجاج في العمارة، تجربة المهندس الفرنسي (بيير شارو) الذي قام في ثلاثينيات القرن الأخير ببناء منزله في باريس معتمداً على مادتي الحديد والزجاج فقط، وقد اعتبر هذا البناء يومها بدعة جديدة في فن العمارة، رحب بها البعض، واستهجنها البعض الآخر، لكن هذه الصيغة في البناء انتشرت من يومها، وبتنا نشاهد بيوت وناطحات سحاب، على امتداد العالم، تنهض من هذه التقنية التي شهدت بدورها، تطورات كبيرة، طاولت موادها وطرائق استعمالها.
الزجاج في العمارة الداخليّة
بعد انتشاره في التصاميم المعماريّة الخارجيّة، واعتماده مادة أساسيّة في إشادة أبنية متعددة الأشكال والاستخدامات والحجوم، دخل الزجاج إلى العمارة الداخليّة، لتصبح مادة أساسيّة أيضاً فيها، فشُكّلت منه جدران وواجهات وصالات وحمامات وسلالم ومكتبات وأرائك ومدافئ وغرف وايوانات وستائر نوافذ ... وغير ذلك الكثير.
وكما هو الحال مع العمل الفني التشكيلي من رسمة ولوحة ومنحوتة ومحفورة، بدأت صالات العرض تستقبل، ابتكارات الفنانين والمصممين والمهندسين من الأثاث. من ذلك معرض مهندس الديكور الأميركي (ماركو دوغيلتر) الذي أقامه في مدينة (لوس أنجلوس) ودعاه (تشكيلات من الزجاج) طاولت الحمامات والمدافئ والأرائك والشويكات.
يرى هذا المهندس أن الزجاج أصلب من الحجر وأجمل منه ألواناً. أما الفنان التشكيلي الإيطالي (موريس بارليون) فهو يستخدم الزجاج في تشكيلاته ومنحوتاته وتصاميمه التي تطول الطاولة والستائر المطرزة بالرسومات والصور المختارة. بينما ينهج الفنان الهولندي (هيرفي ميرميش) نهج قدماء الرومان.
فقد دشن مع إحدى كبريات شركات الزجاج في سالسبورغ فرعاً خاصاً لمستلزمات المطابخ وديكور المنازل، وصنع أول مغسلة من الزجاج المُقسى والمقوى بالكروم. ورغم ارتفاع أسعار تلك المنتجات الزجاجيّة التي لا تزال حتى الآن تُصنع على نطاق ضيق، إلا أن الإقبال عليها متزايد يوماً بعد يوم. من جانب آخر، بدأ العديد من النحاتين في العالم، استخدام الزجاج في صب أعمالهم الفراغيّة والنافرة والغائرة، وذلك بدلاً من الجص، أو البرونز، أو الأسمنت، أو البوليستر.
محمود شاهين



