ينتمي إدوارد سعيد (1935 ـ 2003) إلى جيل أعطى فلسطين أكثر مما أعطته الحروب، وقدم لها سيرة عمر لو قيست بالمنجزات الثورية للانقلابات العسكرية والسياسية لرجحت كفته، وسجل لفلسطين حضوراً فكرياً في أرقى المؤسسات العلمية، ومعاهد البحث الغربية.
ولا يُذكر تاريخ جامعة كولومبيا في أميركا دون التوقف طويلاً أمام إدوارد سعيد الذي حول الصراخ والعويل إلى حوار هادئ عقلاني في صرح أكاديمي،عبر التركيز على الهوية الفلسطينية ومشكلة الانتماء في المنفى بغياب الأرض.
تصدى إدوارد سعيد للاستشراق الذي حوّل المعرفة إلى منطق القوة ووظف ما يسمى بالثقافة الاستشراقية لخدمة المصالح السياسية للدول الغربية، بل إن هذا الاستشراق حدد مستوى البشر تبعاً لمواقعهم من خط الاستواء ومراكز الحضارة الإنسانية في القارة الأوروبية في محاولة للتسلط الغربي وتقطيع أواصر التعاطف والجسور الإنسانية، لذا ووفق هذا الوعي المؤلم كتب إدوارد سعيد أبحاثه، «الاستشراق»، ويكاد هذا الكتاب أن يكون المرجع الأشمل لفهم الاستعمار الفكري قبل الجغرافي.
جاء إدوارد سعيد إلى دبي عام 1998 ليتسلم جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية ـ حقل الانجاز الثقافي والعلمي (الدورة الخامسة)، عابراً الأطلسي، حاملاً أورامه (كان يعاني من السرطان) برفقة زوجته، وقد أُتيح لي خلال تلك الزيارة أن اقترب من القامة الكبيرة.
وأن أُعايشه عن قرب عدة أيام، وكنت قد قرأت مقالاً كتبه عندما عاد إلى مصر ليجد أن ما بقي من تحية كاريوكا، كتلة شحم أين منها غزالة السينما في الأربعينات والخمسينات واعتقدت أن الرجل خفيف ظلٍ صاحب نكتة فقد اعتبر كاريوكا إلى جانب نجيب محفوظ، جزءا من نهضة مصر!
تمر ذكرى رحيل إدوارد سعيد كما قال الشاعر (كباقي الوشم في ظاهر اليد)، ولم يلتفت أحد إلى منجزه الثقافي بموضوعية، عبر ندوة أو مهرجان فكري يحمل اسمه أو جائزة تخصص للبحث تنهج نهجه الموضوعي، لقد مرت ذكرى رحيله السابعة ( 25 سبتمبر 2003 )، وقد انقسمت فلسطين إلى (فلسطينات) والأشقاء أصبحوا (كرامازوف) والرصاصة ضلت طريقها إلى العدو، كما الكلمة ضلت طريقها.
يستحق إدوارد سعيد أن نتذكره وأن نرسل للأجيال الجديدة بطلاً ثقافياً قارع خصومه في أعتى الساحات بالحجة والبرهان والوثيقة.
