يشرح المؤلف أن الحقبة الراهنة يمكن وصفها أنها حقبة تكنولوجية بامتياز حيث أن «ثمراتها» تلعب دورا كبيرا في مختلف ميادين الحياة. لكنه يشير بالمقابل أن هذا الواقع «التكنولوجي» لم يحدّ من التوجهات «الروحانية» بل العكس هو الصحيح.

ولا يتردد في هذا السياق عن القول انه باستطاعة العلم وحده أن يوفر لأبناء الإنسانية «عالما أفضل». أما «التكنولوجيا» فقد تكون أحيانا «وبالا» عليهم.كذلك يشرح المؤلف على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب كيف أن العلم ساعد البشر باستمرار على فهم أفضل للعالم. ويؤكد القول ان المنعطفات الكبرى في مسيرة العلم ترافقت مع مراحل هامة من مسيرة تطور المجتمعات. ذلك من خلال تأثيرها المباشر على رؤية الطبيعة وفهم أفضل للشرط الإنساني، وخاصة فهم مكانة الإنسان في العالم المحيط به.ويرى المؤلف أن «الأحكام المسبقة» هي أحد أكبر خصوم العلم، بل أكبر أعدائه. ذلك أن مسيرته أثبتت عبر ما قدمه من براهين جديدة صحيحة مقابل أفكار علمية خاطئة أن الخصم الأول للتجديد قد تمثل في الأحكام المسبقة.

يتم التذكير في هذا السياق بقصة غاليلو غاليلي مع الكنيسة الكاثوليكية التي أرغمته على التراجع عن مقولته «الصحيحة» الخاصة بدوران الأرض حول الشمس وليس العكس.

ويتميّز المؤلف أيضا بين «الفضول» العلمي المطلوب، بل إن «الفضول» يمثل أحد مقولات العنوان الفرعي الثلاث للكتاب، إلى جانب الفهم والتقدم. ويشرح كيف أن إدراك كبار العلماء يتكوّن من صفة الفضول إلى المعرفة والتعمق بفهم أسرار الطبيعة والمادة، ومن ملكة الإبداع التي يتسم فيها العلماء بالضرورة، ومن المثابرة على العمل التي لا يمكن بدونها الوصول إلى أي إنجاز علمي. هذه الشروط مطلوبة من أجل دفع مسيرة العلم والعلماء.

ويصف المؤلف ما يسميه بـ «دائرة العلم» التي تتوحّد بداخلها سلسلة طويلة من المواضيع مهما بلغت درجة تعقيدها. وبكل الحالات كان دائما للعلم رسالة التي يريد توجيهها للمعنيين فيه. إنه «بحاجة» إلى هذه الرسالة كي يبرر وجوده.

هذا ما يبرهن عليه المؤلف اعتمادا على مصادر علمية كبيرة تصب كلها في القول ان العلم يشكل حقيقة ظاهرة اجتماعية معقّدة، لكنها ظاهرة تشكل الوسيلة الوحيدة «الملموسة» للتمييز بين الصح والخطأ. كما أن العلم هو الوسيلة التي «تحوّل بدون ضجيج ولكن بعمق ثقافة الإنسان»، ذلك كله عبر إبراز «الجمال الموضوعي الرائع للكون».

وبعد أن تتم الإشارة إلى نوع من التشكيك واجهه العلم خلال العقود الأخيرة لصالح ما يسمّى بـ «الحكمة التقليدية»، يشرح المؤلف «النجاحات الكبرى» التي حققها العلم في مختلف الميادين. والصفحات ال192 التي يتألف منها الكتاب هي محاولة لرسم لوحة شاملة «بانورامية» للعلوم ودورها في المسيرة الإنسانية.

ويحرص المؤلف في تحليلاته على التمييز بين العلم والتكنولوجيا. وهو يؤكد بالخط العريض أن «العلم كله منافع»، لكن التكنولوجيا لها «بعض المسالب»، والوجد «القاتم» في التكنولوجيا «واضح بأفضل ما يكون في الحروب التي لا جدوى منها والتي يتم فيها استخدام أكثر الأسلحة فتكا».

هذا مع التذكير أنه لا يخفى على أحد واقع أن «القنابل النووية» التي أثبتت قدرتها على القتل والفتك منذ استخدامها الأول، وآخر مرة حتى الآن، ضد هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، إنما جرى تصنيعها في المختبرات العلمية. وهنا لا يتردد المؤلف في القول انه من الصعب جدا أن يختار أحد عنوانا لكتابه مثل «في تمجيد التكنولوجيا». لكن من الممكن، بل ومن المحبب، فعل ذلك «في تمجيد العلم».

تجدر الإشارة إلى أن بناء هذا الكتاب قائم على أساس أربع مراحل تشكل أربعة أقسام. يتم في الأول منها التمييز بين الفضول العلمي والأحكام المسبقة. ويتم التأكيد هنا على الربط بين الفضول ومتعة اكتشاف الأشياء.

ويبيّن المؤلف الفرق النوعي بين المغالطات القائمة على «تهويمات» أو على «علوم مزعومة» وبين الصراحة العلمية. وتتم دراسة هذا الفرق حول تفسير ظواهر طبيعية مثل الصواعق والثقوب السوداء و«فيروس الايدز».

المرحلة الثانية ؟ القسم الثاني- يخص التمييز بين العلم والتكنولوجيا. ويبحث المؤلف هنا في «العلم التجريبي»، وفي «آلة المعرفة» بغية الوصول إلى معرفة ما يمكن للعلم أن يفعله وما لا يمكنه أن يفعله. وبعد مرحلة ثالثة تبحث في «قوى العلم» الأساسية وتعقيد آليات عملها، يبحث المؤلف في المرحلة الرابعة والأخيرة فيما يسميه «البحث عن الحقيقة» كي يصل من خلال بحثه إلى مقولة مفادها أن «العلم هو في صميم الثقافة».

كتاب-دليل عن مسيرة العلوم، وهو زاخر بالتفاصيل و«الحكايات» التاريخية والتأمل العميق بالمستقبل. ولكنه قبل كل شيء «شهادة محبّة» للعلوم.

الكتاب: في تمجيد العلم

تأليف: بايس ساندير

الناشر: معهد ميزوشست للعلوم 2010

الصفحات: 172

القطع : المتوسط

In praise of science

Pais Sander

MIT Press- 2010

172 pp