تتفق الآراء على أن الأستاذ الجامعي الأميركي وليام ج. ميتشل، هو أحد أكثر الباحثين مدعاة للاحترام في العالم بميدان التخطيط العمراني للمدن ومستقبلها وكذلك مستقبل السيارات التي تملأ شوارعها اليوم.

وكان قد توفي قبل فترة بسيطة من صدور كتابه: «إعادة اختراع السيارة: الحركة الشخصية في المدن للقرن الحادي والعشرين»، والذي اشترك في تأليفه كريستوفر بوروني- بيرد ولورنس بورنس، من الكوادر العليا في شركة جنرال موتورز.إن هذا الكتاب يقدّم رؤية لمستقبل السيارة في المدن وبالتالي يتم التعرّض فيه لمستقبل المدن نفسها، وذلك عبر محاولة الإجابة على السؤال التالي: ما هي مدينة المستقبل؟في مقدمة التحديات المطروحة التي يتم التأكيد عليها في تحليلات هذا الكتاب، هناك قدرة المدن المعنية في المحافظة على «التوازن» الصعب في سياق الاستمرارية بين ما تملكه هذه المدن من «موارد» وبين المتطلبات التي سوف يفرضها تطوّرها في مجالات مختلفة وعلى مستويات مختلفة. هذه الأسئلة كلها مطروحة على مختلف المدن في المستقبل وينبغي التعامل معها ب«ذكاء». ويتم الحديث هنا عن «المدينة الذكيّة».

مثل هذه التحديات تطرح موضوع «النقل» على بساط البحث. ويتم تحديد القول في هذا الكتاب أن أحد أهدافه يتمثل في البحث عن «إعادة اختراع منظومات للحركة، ذلك مثلا على صعيد إعادة اختراع منظومات النقل».

وتتم الإشارة هنا إلى أن السيارات التي تشهدها شوارع مدن العالم اليوم عمرها حوالي قرن من الزمن. والتأكيد أنه أحد أكثر الاختراعات «نجاحا» بين تلك التي ترتبت على التقدم التكنولوجي. لكن هذا «الاختراع» الناجح بالقياس إلى ما عرفته كل الأزمنة قد غدا اليوم «ينتمي إلى التاريخ» ولا بد من اختراع «سيارة القرن الحادي والعشرين».

الفكرة التي يتم التأكيد عليها بصدد البحث عن وسيلة نقل جديدة تتمثل في «إعادة التأمل» و«إعادة النظر» بالسيارة الحالية بحيث تتم الاستعاضة عنها ب«آلة أخرى» على شاكلة «روبوت» إلى يسير بعجلات ويستطيع «التواصل» مع الاختراعات «الذكيّة الأخرى والوصول إلى درجة من «التنسيق» في حركة المجموع، وفي منظور البدء حقيقة بإعادة التفكير بسبل تحسين شروط «الحركة» في مدن المستقبل.

ومع التأكيد على أهمية الإجراءات التي يمكن اتخاذها فيما يتعلق ب«تكييف» السيارة مع المحيط المديني وتعزيز دور القطارات، فإن تحليلات هذا الكتاب تركّز على ضرورة إعادة التفكير وإعادة النظر بالمسألة الجوهرية المتعلقة ب«الحركة الشخصية في الوسط المديني». بل وإعادة التفكير بهذه المسألة بصورة مختلفة وفي إطار الاستمرارية، وليس الاكتفاء بحلول مؤقتة.

المطلوب هو كذلك نوع من «تغيير سلوك البشر» من أجل المشاركة في إيجاد «حلول جدية» للمشاكل المطروحة، أو لتلك التي تلوح بوضوح في الأفق المنظور. يتم هنا طرح بعض «الفرضيات» مثل القول أن الجميع يعتقدون أن السيارة بحاجة إلى محرّك.

لكن السيارة لا تحتاج بالضرورة إلى محرّك، كما يتم التأكيد إذ يمكن وضع مولّد دفع كهربائي في كل عجلة بحيث تتغير الأمور تماما ويصبح لدينا «أربع عجلات ذكية مستقلة» بدلا من المحرّك التقليدي السائد اليوم.

إن مثل هذه الحلول المطروحة ليست فقط ذات طبيعة «تقنية» جيدة ولكنها تقوم أولا وأساسا، على «تشغيل المخيلة». ذلك على أساس أن السيارة ليست وسيلة انتقال فحسب ولكنها أيضاً «تعبير عن نفسك مثل ثيابك». لذلك يتم التأكيد على أنه ينبغي لسيارة الغد أن لا تستجيب للمستوى التقني فحسب ولكن أيضاً أن تكون لها دلالتها على المستوى العاطفي والإنساني. بكل الحالات تتعلق حركة الأشخاص في المدن بوسيلة نقل.

لكن هل المقصود هو السيارة ذات المحرك أم الدراجة الهوائية أو أي وسيلة أخرى؟ يتساءل المؤلف. ويضيف أنه لا بد من التفكير بالنسبة لمدينة المستقبل بمسألة الحصول على «الطاقة» المطلوبة لتسيير وسيلة النقل.

بكل الحالات تبقى الوسيلة المرجّحة ك«بديل» للوقود الحالي هي عملية «الشحن الكهربائي». لكن الطاقة ليست سوى أحد جوانب المشكلة، إذ هناك جوانب أخرى قد تبرز أكثر فأكثر في منظور مدينة المستقبل.

فمثلا كيف سيتم الوصول إلى وسائل النقل «الخاصة» عندما تكون هناك حاجة لها وماذا يتم العمل بها عندما لا تكون هناك حاجة لها ولا يتم استخدامها. هذه مشاكل حقيقية، خاصة أن مواقف السيارات تأخذ مساحات كبيرة من المدن. ويمكن استخدام هذه المساحات بشكل أفضل وبفعالية أكبر لخدمة البشر أو لأغراض أخرى.

والحل؟ اقتراح بسيط وهو إيجاد عدد كبير من العربات الكهربائية في مناطق تجمّع عديدة حول المدن بحيث يمكن الانتقال بإحداها من الموقع الكبير للتحرك إلى الموقع القريب من الوجهة المقصودة.

هذا يعني اللجوء إلى عملية «استئجار» باتجاه واحد وأكثر سهولة من استخدام سيارة «خاصة». المهم هو تأمين إمكانية الحركة بأكبر قدر ممكن من التوازن بين زيادة الضغط السكاني في المدن وسهولة الحركة الشخصية «منعاً للاحتقان». لكن بكل الحالات لبست هناك «حلول سحرية».

الكتاب: إعادة اختراع السيارة

تأليف: وليام ج. ميتشل، كريستوفر بوروني-بيرد، لورنس بورنس

الناشر: معهد ماساشوزت

التكنولوجي 2010

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

Reinventing the automobile

Wiliam J. Mitchell, Christopher E. Borroni- Bird, Lawrence D

Burns

MIT Press- 2010

240 pp.