يوضح مؤلف الكتاب انه تشير الوثائق التاريخية إلى أن «بطليموس» زعيم القبائل الإيتورية، كان قد دفع إلى القائد «بومبيوس» ألف ( تالانت ) فضي للتقرب منه، فعينه أميراً على زخالكيس» ومنحه ألقاباً ملكية مكنته من بسط نفوذه على جبال لبنان والمناطق الواقعة جنوبي سورية.
وبقيت دمشق عصية على الإيتوريين، بسبب مقاومة سكانها، وطلبهم نجدة الملك النبطي الحارث الثالث، الذي لم يتوان عن مساعدتهم، فدخلها وأكد زعامته عليها ، من خلال إصداره العملات البرونزية في دار ضربها.ويبين د. كيوان أنه زودتنا تلك المسكوكات بمعلومات تاريخية مهمّة حول مملكة الإيتوريين، وكذلك عن حكامها الذين جاؤوا بعد «بطليموس».وتدلل دارسة النقود الدمشقية على أن دار ضرب دمشق قد توقفت عن عملية الإصدار النقدي في الفترة الواقعة بين عهدي «تيبريوس ونيرون» 37 ؟ 54 م، ويعود السبب إلى تواجد سلالة الملك النبطي الحارث الرابع 9 ؟ 14 م بدمشق، حيث اعتبر وريثاً ملكياً على المنطقة غير أن الإمبراطور «نيرون» قد تمكن من استعادة دمشق، واستأنف عملية إصدار النقود البرونزية في دار ضربها.
وفي عهد (تراجانوس» أصدرت بصرى دمشق التي أصبحت عاصمة له، في هذه المناسبة، نقوداً حملت عبارة (الولاية العربية)، ما أكسبها امتيازاً شرعياً يجيز لها إصدار المسكوكات البرونزية والفضية.
وهذا إلى جانب إصدار أنطاكية كميات كبيرة من النقود البرونزية للإمبراطور «تراجانوس»، بقصد تنشيط عملية التداول النقدي في سورية، وتشجيع التجارة بين مدنها الداخلية.
وتشير اللقى النقدية إلى أن الإمبراطور (سبتيموس سيفيروس» كان يصدر كميات من القطع النقدية: الذهبية والفضية، ومن ثم ويوزعها على جنده وشعبه، بحسب عدد سنوات حكمه، وذلك لتخليد ذكراه بهذا السخاء.
وكان هو وزوجته جوليا دومنا يزوران القدس «إيليا كابيتوليا»، وقد حفظت «إيليا كابيتوليا» هذه المناسبة على نقودها الصادرة بين عامي 209 - 211 م.
فحملت نقش الإمبراطور والإمبراطورة. ومنح الإمبراطور «كركلا» مدينة دمشق، لقب المستعمرة الرومانية، ومنحها أيضاً حقّ الإصدار النقدي من معدن الفضة والبرونز، وأعاد تمركز الفرقة السادسة بالقرب من دمشق، ويؤكد ذلك ظهور نقش على المسكوكات الصادرة عن دار ضرب دمشق والتي حملت العبارة اللاتينية (ميزارتا 16EG Ferrata VI ).
وعندما تآمر القائد العسكري «اوبليوس ماكرينوس» على الإمبراطور «كركلا» واغتاله ومن ثم تربّع على العرش في العام 218 م، أصدر في مختلف دور الضرب السورية كميات كبيرة من العملات الفضية والبرونزية على شرفه وشرف ابنه «ديادومين قيصر».
وقصد من ذلك نشر الدعاية السياسية بأنه أصبح إمبراطوراً، غير أنه لم يدم طويلاً في الحكم، إذ استعادت النساء السوريات الحمصيات العرش الروماني من جديد، ونصبن «هليوجبال» إله الشمس، إذ أكد هذا الإمبراطور لمدينة دمشق مكانتها المدنية من خلال الضرب فيها.
ويلفت المؤلف إلى أن دمشق أصدرت دراخمات فضية على شرف الإسكندر، عليها نقش جانبي لرأس الإسكندر الذي اعتمر رأس أسد، بينما حمل مركز الظهر نقشاً للإله «زيوس غمَِّّ»، جالساً على العرش ومسنداً يده اليسرى على عصا، ويده اليمنى وقف عليها نسر، كما نقش اسم دمشق، وخلف الإله زيوس اسم الإسكندر الكبير.
وكذلك حملت المسكوكات السلوقية الصادرة عن دار ضرب دمشق، نقش الإله «حدد» الدمشقي واقفاً بين ثورين، كما حملت نقود أخرى على مركز الظهر نقش الإله «زيوس» جالساً على العرش، يرافقه في الجهة المقابلة رمز محلّي يجسد رأس ومقدمة كبش، يرمز للإله «زيوس».
كما زودتنا النقود بمجموعة حيوية من المعلومات التي تشير إلى الوضع السياسي في سورية خلال تلك الفترة والوضع العسكري والاقتصادي، كما أكدت الدراسات على وجود نظام خاص لتصريف العملة.
وقدّمت لنا المسكوكات مشاهد للآلهة اليونانية، كالإله زيوس وأبولو ومويسنيوس وأثينا وهرمس، إضافة إلى نقش الربّة (أتارجاتيس»: «عشتار» الدمشقية ، مرتدية ثوباً حرشفياً، إضافة إلى تجسيد الإله «حدد» واقفاً بين ثورين، وبعد فترة نرى رموزاً تجريدية لـ «حدد» وقرينته زعشتارس على النقود الدمشقية، كالقمر والشمس.
كذلك ساهمت المسكوكات الدمشقية بالتعرف على صفات الأباطرة وأبنائهم والألقاب التي تقلدها الأباطرة الرومان. أضف إلى ذلك أن النقود الدمشقية قد أكدت وجود الألعاب الدمشقية وبيّنت النقود استخدامها للتقويم السلوقي، بينما اتبعت مدن أخرى تقويم استقلالها، كمدينة صيدا التي تؤرخ استقلالها من السيطرة السلوقية.
الكتاب: إنتاج المسكوكات وتداولها في دمشق وريفها
تأليف: د. خالد نواف كيوان
الناشر: وزارة الثقافة - المديرية العامة للآثار والمتاحف - دمشق 2010
الصفحات: 400 صفحة
القطع: الكبير
فيصل خرتش

