يوضح الباحث محسن التليلي، في كتابه أن أهم مقومات الإسلام البدوي، الطبيعة الجغرافية القاسية، والمتمثلة في الصحراء. فالصحراء دخلت حتى في التركيبة النفسية للناس، وحولتهم إلى شديدي الطباع وأقوياء في تضامنهم.

أما المقوم الثاني فهو انتشار الأمية، الأمر الذي جعلهم لا يعرفون كثيراً عن «الإسلام النصي»، إلا ما قد يصلهم منه متواتراً جاهزاً في تطبيقات عملية تلائم معتقداتهم المألوفة.ولذلك فإن الإسلام البدوي ظل رهينا للتقاليد الدينية والمشاعر الوجدانية المتوارثة، أكثر من ما هو تعبير عن انتماء «لتعاليم نصية» أو مذهبية أو فكرية. حتى الانتماءات الدينية، سواءً إلى السنة أو الشيعة أو السلفية أو الطرق الصوفية، فقد فرضها العامل السياسي والجغرافي، لأن البدو يدينون بدين أهل المدن القريبة منهم. وهذا الوضع ينطبق على بدو بلاد الشام والجزيرة العربية وإيران والمغرب العربي وغيرهم.

وقد وجد المؤلف أن الإسلام البدوي يهتم بالعبادات وفروضها، ولكنه لا يهتم بالمعاملات ولا يتحَّرج في عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في هذا المجال. فالبدوي نادراً ما يورّث ابنته، كما أنه يعترف بمنطق القوة وسياسة الأمر الواقع، حتى وإن خالف ذلك تعاليم الشريعة.

وبالمقابل فإن البدوي يكرم الضيف والغريب ويتفاخر بالكرم. كما تتداخل الخرافة مع الدين في الإسلام البدوي، حيث تفشت بين البدو مظاهر الخرافة والأساطير والأخبار العجيبة، إذ أخذت في الكثير من الأوضاع شكل الاعتقاد بوجود أشياء غيبية غير مرئية يعرفها الناس بأسمائها .

ولا يعرفون مسمياتها، كالاعتقاد بوجود الأرواح والجن والعفاريت والمردة والغول اعتقاداً خرافياً. فالبدوي لا يؤمن بهذه الكائنات وحسب، بل يضفي شرعية دينية على وجودها ويعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الدين الإسلامي.

ويفسر التليلي انتشار مظاهر الخرافة والسحر في المجتمعات البدوية، كونها تساعد المسلمين على حل مشاكلهم بطريقة لا عقلانية، كما أنها تخفف من المعاناة والألم وتحقق الرغبات والمطامح بطريقة وهمية وجميلة، دون أي انتباه لما في السحر من حيل للخداع وألعاب خفة ساذجة.

والسحر عند المجتمعات البدوية محبذ إذا كانت أهدافه ذات أبعاد أخلاقية وإنسانية، سواءً في التقريب بين الناس أو في مجابهة الأمراض والأخطار، أو في تحقيق الآمال المنشودة. فالسحر يساعدهم في التغلب على الخوف الناتج عن طوارئ الحياة الصعبة، أوفي مجابهة بعض الظواهر الخارقة، كالإصابة بالعين والشرور التي يجلبها الجن للبشر.

كما يفرد المؤلف فصلاً كاملاً ليتناول فيه الإسلام البدوي لدى «بدو الطوارق» في جنوب الجزائر. ليجد أن الإسلام عندما وصل إليهم، حافظ على مواقع السلطة الاجتماعية للسكان الأصليين، خاصة شيوخ القبائل، الأمر الذي أدى إلى تعايش متناغم بين أعراف الطوارق وتقاليدهم من جهة، وبين تعاليم الدين الإسلامي من جهة ثانية.

وهذا التداخل بين النسقين الثقافيين، أدى إلى نشوء عادات وأعراف غريبة. فالزوج يعيش في بيت أهل زوجته لمدة لا تقل عن سنة قبل أن يخرج إلى بيته الخاص، كما أن النساء يظهرن جمالهن ولا يتحجبن، بعكس الرجال الذين يلبسون اللثام بشكل دائم، لدرجة أن هناك زوجات لم يرين أفواه أزواجهن إطلاقاً.

وعلى الرغم من الحياة المغلقة التي يعيشها الطوارق إلا أنهم وجدوا أنفسهم مضطرين للتفاعل مع الأحداث السياسية والتحولات الإقليمية التي تحيط بهم. أما أهم العوامل التي دفعت بالطوارق إلى الاهتمام بالسياسة، وميل بعض ممثليهم إلى الإسلام السياسي، فهناك التدمير الذي مارسه الاستعمار الفرنسي ضدهم أولاً، والتهميش الذي تعرضوا له من قبل الحكومات المحلية ثانياً.

وأما اليوم، حسب ما يؤكد المؤلف، فإن للطوارق علاقات ببعض الجماعات الإسلامية المسلحة، الأمر الذي دفع بقوى عالمية للاهتمام بما يحصل في منطقة الصحراء الأفريقية الكبرى.

الكتاب: الإسلام البدوي

تأليف: محسن التليلي

الناشر: دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب ـ بيروت 2010

الصفحات: 192 صفحة

القطع: المتوسط

رشيد الحاج صالح