عندما زار الرسام الاسباني بابلو بيكاسو اسطنبول ورأى لوحة للخطاط سامي أفندي، قال: «لقد عثرت على اللوحة التي في خيالي»، وذلك لما يتمتع به هذا العمل الفني من دقة وتجانس وجمال وجاذبية.

ويحكى أن أحد الرسامين الأتراك المشهورين، واسمه حسان قاووق، ذهب إلى بيكاسو كي يتعلم منه وينهل من تجربته الفنية التي لا يشق لها غبار، فقال له بيكاسو: «من أين أنت؟» .فرد الرجل: «من تركيا»، فقال له بيكاسو: «إرجع إلى تركيا وتعلم فن الخط هناك».لا شك أن للدولة العثمانية فضلاً كبيراً في تطوير فن الخط العربي أو «حسن الخط»، كما يسمونه في تركيا، فلقد ساهمت من خلال اعتماده في المراسلات الحكومية، في الحفاظ عليه، وفي دعمه ومنحه مقومات البقاء والاستمرار، وربما هذا ما جعل حضور الخطاطين الأتراك مميزاً في ملتقى دبي الرمضاني لخط القرآن، الذي يهدي البشرية كل عام نسخة فريدة من المصحف الشريف.

المحور الأول: تاريخ ومسار تبلور وتطور فن الخط العربي من المعروف أن فن الخط يتوزع على العديد من البلدان العربية والإسلامية، حيث جرت العادة أن يكون لكل منها خصوصية معينة في التعامل مع هذا الفن واعتماد نوع معين منه يميزها عن بقية البلدان، ما هو المسار الذي سلكته هذه العملية قبل أن تتبلور على النحو الذي هي عليه؟ ـ الخطاط فرهاد قورلو: إن هذه المسألة مرتبطة بوجود أستاذ معين في كل بلد من تلك البلدان، ومن الطبيعي أن يكون لكل أستاذ قواعده وطريقته الخاصة في فن الخط، وأن يقوم بتعليم تلاميذه هذه الطريقة، ما سمح بظهور بعض الفوارق بين الخط المعتمد في هذا البلد أو ذلك.

لكنها ليست فوارق كبيرة، حيث تعتمد كافة طرق كتابة الخط القواعد عينها، مع وجود بعض الفروقات الشكلية البسيطة، التي اتبعتها كل مدرسة على حدة وميزتها عن نظيراتها في بلدان أخرى، ذلك أن تلك الفوارق تخص تجربة كل خطاط، ففي تركيا، على سبيل المثال، يمارس الخطاطون كل الخطوط وبالأقلام الستة (الديواني والرقاع والنسخ والثلث والفارسي والتعليق). وهذه الخطوط موجودة بالتساوي ومعتمدة لدى مختلف الخطاطين الأتراك. ـ الخطاط داوود بكتاش: ليس هناك فرق كبير مثل ما يتصور البعض، فالخط هو نفسه وله القواعد عينها، والخط الديواني وجلي الديواني والرقاع، جميعها خطوط نشأت في وقت سابق في تركيا وفي السراي الحكومي تحديداً، لكن هذه الخطوط لا تكتب في الوقت الحالي في تركيا بكثافة ودقة واعتناء، مثل ما يحدث في البلدان العربية كالعراق وسوريا، علماً بأنه كان محظوراً، في زمن الدولة العثمانية، أن تكتب هذه الخطوط على شكل لوحة.

وكانت معتمدة في أروقة دوائر الدولة والسراي الحكومي، ولم تكن تكتب خارج هذا الإطار، لكن الدول العربية راحت تولي ، مع مرور الزمن، اهتماماً خاصاً بهذه الخطوط وتفوقت في ذلك على تركيا نفسها.

مع العلم أن الخطوط التي كانت منتشرة خارج السرايا هي الثلث والنسخ والتعليق، مع وجود بعض الاختلافات بين الدول، ففي إيران، على سبيل المثال، نشأ الخط الفارسي وتطور هناك.

ـ فرهاد (معلقاً ومعقباً): لا وجود لتلك الفوارق كما يتصور البعض، فعندما تقول خط الثلث، فإنك تقصد بذلك الخط الذي كان سائداً أيام الدولة العثمانية وكذلك خط النسخ وخط جلي الثلث أيضاً، ذلك أن جميع أساتذة الخط كانوا في تركيا، لكن هذا الواقع تغير مع مرور الزمن، ففي العراق مثلاً راحوا يهتمون بالخط الديواني أكثر من غيره من أنواع الخطوط، وفي سوريا كذلك، لكن الأساتذة كانوا أتراكاً في الأصل.

ـ ممتاز دوردو: أثني على كلام زميلي فرهاد، كما أريد التأكيد على أن خط النسخ شق طريقه منذ عهد الدولة العثمانية على يد الأستاذ حافظ عثمان تحديداً، الذي قام بخط المصحف الشريف، وأتى بعده الأستاذ مصطفى راقب، وتوجت مسيرة تطور الخط تلك على يد الأستاذ شوقي.

حيث بلغ خطي الثلث والنسخ ذروة تطورهما في الوقت الحالي، وإذا أخذنا الملتقى الثاني لخط القرآن في دبي نموذجاً، سنلاحظ أن هناك ثلاثين خطاطاً، ونحن منهم طبعاً، من بلدان مختلفة وجميعنا نسير على خطى شوقي، لكن لا بد من التأكيد على عدم وجود فوارق كبرى بين هذا الخط أو ذاك، فهناك قاعدة تقول إن كل من يستطيع أن يجيد الحرف على طريقة شوقي ويقلده، يعتبر خطاطاً موفقاً وبارعاً.

ـ داوود (مداخلاً): إن المقصود هنا ليس هو مدح الخطاطين الأتراك ووضعهم في الصف الأول بين الخطاطين في العالم، لكن المسألة هنا مرتبطة بأن فن الخط تطور في زمنهم، زمن هؤلاء الأساتذة.

حيث شكلت اسطنبول وعلى مدار قرون من الزمن مركزاً مهماً في هذا الشأن، فصحيح أن فن الخط أتى من زمن العباسيين على يد ابن مقلة وابن بواب، لكنه تطور على أيدي الأساتذة الذين كانوا في تركيا، وهذا الأمر يعود إلى مشيئة الله عز وجل، الذي لو أراد لفن الخط أن يتطور في مصر أو سوريا على سبيل المثال، لكان كذلك، مع التأكيد على عدم وجود فرق.

ـ ممتاز: في أواخر زمن العثمانيين، كانت دول الجوار تطلب خطاطين من تركيا، مثل الخطاط عبدالعزيز الرفاعي الذي ذهب إلى مصر وكتب المصحف الشريف هناك، وهو أول من كتب في الرسم العثماني، بينما ذهب ماجد شيدر إلى العراق ومحمد رسا إلى سوريا، أما كتابات المسجد النبوي في المدينة فقد خطها عبدالله زهدي.

المحور الثاني: مسيرة فن الخط عبر التاريخ

بدأ فن الخط العربي كحرفة متداولة في الأسواق بعد أن خرج من سراديق الدولة، وانتهى وجهاً من أوجه الإبداع وأصبح يتم التعامل معه بصفته لوحة تشكيلية، فمن الشائع رؤية الخطاطين في كثير من أسواق الحواضر العربية القديمة، مثل القاهرة ودمشق وبغداد واسطنبول.

والتي تنتشر فيها حرفة الخط جنباً إلى جنب مع الحرف اليدوية الأخرى، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف انتقل الخط من عالم الحرفة والتجارة إلى عالم الفن والإبداع؟ وهل للدراسات النقدية دور في ذلك، أم إن المتلقي أو المشتري هو الذي حسم الأمر؟

ـ ممتاز: كان كل شخص غني في زمن الدولة العثمانية يعطي مبلغاً من المال لخطاط كي يكتب المصحف الشريف، وذلك دعماً للخط ومساعدة للخطاط حتى يتحسن خطه بعيداً عن أي جانب تجاري، وعندما كانت تشيد المساجد كان الأغنياء يغدقون الأموال على الخطاطين كي يكتبوا كتابات جميلة على جدرانها وأسقفها وواجهاتها، دعماً للخط والخطاطين، ما جعله يتطور وينتشر على نطاق واسع.

ـ فرهاد قورلو: كان تطور فن الخط العربي قبل الإسلام بسيطاً، حتى الحركات والنقاط لم تكن موجودة وكان هناك انقطاع في الكلمات، لكن الخطاطين الذين جاؤوا بعد الإسلام فكروا وسألوا أنفسهم: كيف يمكن أن نكتب الخط العربي بأجمل الحروف؟

وراحوا على هذا النحو يطورونه رويداً رويداً حتى وصل بعد 1500 سنة إلى هذا الشكل، من خلال ما خطوه على الورق وعلى المباني وفي المساجد، بهذه الطريقة تطور الخط وأصبح فناً قائماً بذاته، لكن السبب المهم في هذه النقلة يكمن في أن الدول راحت تعتني أكثر بفن الخط، وخير مثال على ذلك هو هذا الملتقى، الذي تقيمه وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة.

حيث تقوم الدولة بدعم الخطاطين على أكمل وجه كي يمارسوا فن الخط عموماً وخط النسخ تحديداً، والذي نتوقع أن يشهد تطوراً ملحوظاً في المستقبل القريب. ففي دبي يجتمع للمرة الثانية 30 خطاطاً يقومون بعملهم بطريقة جميلة جداً، ونتيجة عملهم ربما تدوم لألف سنة أو أكثر.

ـ داوود بكتاش: إن الخطاط إذا حصر تفكيره في المادة، فإنه لن يستطيع التطور ولا يتمكن من تحسين الخط، وهذا يحيلنا إلى أن سبب تطور الخط يكمن في النية، نية الفنان، إلا إذا كان يفكر بالمادة مقابل العمل، فإنه لن يتمكن من تطوير ما يريد لأنه يهتم بما سيحصل عليه من مال فقط.

بينما يهمل الجوانب الفنية، لكنه إذا كان يفكر في أنه يريد أن يكتب لوحة جميلة، فإن الأمر مختلف، أي أن الفنان في هذه الحالة لا يتطلع إلى الجوانب المادية من عمله فحسب، وإنما يهتم كذلك بجوانبه المعنوية والفنية أيضاً، وفي هذه الحالة تكون نيته حسن الخط أولاً وليس المادة، و إذا أتاه مردود أكثر من ما كان يتصور، فإن ذلك سيشكل حافزاً باتجاه المزيد من التطور.

ـ فرهاد وممتاز: لدينا اعتراض على تسمية هذا الخط بالفن العربي، فصحيح أنه مأخوذ من حروف عربية، لكننا نرى أن أكثر من يهتم بهم هم الأتراك والإيرانيون، علماً بأن الدولتين:

إيران وتركيا، ليستا دولتين عربيتين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأتراك استخدموا الحرف العربي طوال ألف سنة، وهناك حالة مصر أيضاً والجزائر حيث الأغلبية ليست من أصول عربية، ولذلك فإنه من المفضل أن يسمى فن الخط الإسلامي باستخدام الحروف العربية.

ولا بد من الإشارة إلى أن فن الخط بات منتشراً في بلدان أوروبية عديدة، حيث ينظر إلى لوحات فن الخط بصفتها تنتمي إلى الفن التشكيلي وهذا صحيح، حيث أصبح هناك متذوقين لهذا الفن، ليس لأنهم ينظرون إليه من منظور روحاني مثل ما يفعل المسلمون والعرب، وإنما لأنهم يرون فيه فناً يقوم على التشكيل والديكور.

ـ ممتاز: عندما نتعامل مع الفن الإسلامي، فإننا نكتب أشعاراً وآيات وأحاديث وأقوالاً ونحرص على كتابتها بأجمل طريقة، وهذا هو مضمون الفن الإسلامي عموماً، والذي يصل إلى ما هو أبعد من الحروف العربية رغم أنه يقوم على الحروف العربية نفسها، وهذا يعني أن فن الخط يقوم على الإسلام، الذي عندما يغيب عن هذا المشهد، فإن فن الخط يكون ناقصاً. وفن الخط بدأ بحروف عربية وبلغ مستوى من التطور نسميه فن الخط أو حسن الخط في تركيا.

المحور الثالث: كيف تغذي الفنون البصرية الأخرى فن الخط؟

ممتاز: إن الرسام الاسباني الشهير بابلو بيكاسو عندما زار اسطنبول ورأى لوحة للخطاط سامي أفندي قال إن: «اللوحة التي في خيالي وجدتها الآن». وذلك لما فيها من دقة وتجانس.

ـ فرهاد: هناك رسام تركي مشهور اسمه حسان قاووق ذهب إلى بيكاسو كي يتعلم منه ويستفيد، فقال له بيكاسو: من أين أنت؟ فقال له من تركيا، فقال له بيكاسو ارجع إلى تركيا وتعلم فن الخط.

ـ داوود بكداش: إن الربط بين فن الخط وبقية الفنون البصرية يكمن في أنها جميعاً تندرج في إطار الفنون الجميلة وجميعها مرتبطة ببعضها، أما في ما يتعلق بفن الخط فإن أي شخص وحتى لو لم يكن له علاقة بفن الخط، سيقول عندما ينظر إلى فن الخط: كم هي جميلة هذه اللوحة، وإن كان رساماً فسيقول إن ما نستخدمه من القياسات والضربات والخطوط في الرسم تستخدمونه أنتم في فن الخط، أي أن العلاقة بين هذا الفن البصري والفنون البصرية الأخرى موجودة وبقوة، لكن هذا اسمه خط وذاك اسمه رسم أو نحت.

المحور الرابع: خط الثلث

ممتاز: ما هو معنى كلمة ثلث في اللغة العربية، وأنا أوجه سؤالي هذا للصحافي الذي يدير الندوة، حيث أريد أن أخلص من الإجابة إلى نقطة مهمة أود الحديث عنها؟

باسل أبو حمدة: إنها وحدة قياس تشكل واحد من ثلاثة. ـ ممتاز: المقصود بخط الثلث هو أن كل الحروف تقوم على الثلت كوحدة قياسية، وهذا يأتي عن طريق الرسم والرياضيات، وتسمى النسبة «النسبة الذهبية» الموجودة في كل الحروف العربية، ومثل ما هي موجودة في الحرف فهي موجودة كذلك في الكلمة والسطر واللوحة.

حيث تكون النسبة اثنين زائد واحد في كل حرف، وأحياناً نطبق هذه المعادلة قواعدياً، وأحياناً نطبقها عن طريق النظر بالعين، فالمهم هنا هو أن ترتاح العين عندما تنظر إلى الحرف، فنحن نكتب دون أن نقيس وعندما نقيس نجد أن النسب صحيحة تماماً في كافة أنواع الخطوط وليس في خط الثلث فحسب، أي أن العين تسبق القياس وتتطابق معه في هذه الحالة.

ـ داوود: في حالة خط الثلث فإن القياس موجود بشكل آخر، حيث تتناغم عملية تقسيم الحرف مع الحركة، سواء أكانت شدة أو فتحة أو ضمة أو كسرة، ويستخدم في الحركات ثلث قلم الحرف.

وربما كان ختام هذه الندوة هو أجمل ما فيها، حيث أعرب الخطاطون الأربعة عن تفاؤلهم حيال استمرار تطور مسيرة «حسن الخط»، وأكدوا جميعاً أن مسيرته تسير صعوداً بطريقة أفضل من ما كانوا يتصورون، لاسيما بعد أن أصبح ملتقى خط القرآن بدبي، تقليداً سنوياً يجمع الخطاطين من جميع أصقاع الأرض لينسخوا كل عام نسخة فريدة من القرآن الكريم.

أدار الندوة: باسل أبو حمدة