لا يمكن أن يبقى فرسان الكلمة، من شعراء وروائيين ومسرحيين ورسامين، بعيدين عن الفن السابع الذي طالما جذبهم إلى عالم سحره وأضوائه المبهرة، وقاعاته المنيرة.
لا أحد يستطيع أن يقاوم هذا التألق، المشحون بالعواطف والمشاعر من الشاشة التي حملت آلام البشرية وأفراحها ، إلى جمهور عريض تواعد أفراده أن يتقاسموا القاعة ليشاهدوا روائع الأدب العالمي، والذي لم تتوفر له فرصة الاطلاع عليها. منذ بدايات السينما، تسللت الرواية، بكل زخمها وتقنياتها الكتابية إلى السينما. فآلة العرض السينمائي نفضت الغبار عن كثير من الكتب التي لولاها لما تعرف عليها الناس مثل: ذهب مع الريح، والعراب، وآنا كارنينا، ومدام بوفاري، وغيرها.وبما أن السينما هي الفن الذي يستوعب كافة الفنون، فكان من الطبيعي أن يبحث رواد صانعي الأفلام أمثال ميليه وغريفث والأخوان لوميير عن نصوص تناسب إبداعهم السينمائي.
فإذا كانت الرواية قد سبقت ظهور السينما بفترة طويلة، وتراكمت أعمالها في أدراج المكتبات، فإن بعضها وليس كلها يصلح أن يترجم إلى صور، مع الفن السينمائي الذي شق طريقه بسرعة مذهلة في عصرنا الحالي ولا يزال يتقدم بخطوات سريعة.ولكن مهما كان من أمر، فإن السينما لا تستطيع أن تنقل الرواية بكل تفاصيلها الدقيقة إلى الشاشة بل تنقل روحها ومناخها ورؤيتها، التي بدونها لا يمكن للفيلم أن يحقق أي تقدم، على الخصوص أن السينما فن يختزل، ويوجز ويكثف. وربما تكفي لقطة واحدة للتعبير عن عشرات الصفحات. وبلقطة واحدة يمكن شطب عدد من شخصيات الرواية. ويبقى المتابع الذي يشاهد رواية معدة إلى الشاشة، متعلقاً بالعمل الأدبي، بل ويلجأ للمقارنة بين العملين إن قرأ الرواية طبعاً.
وأحياناً لا يتقبل هذا المشاهد أن يرى صفحات كاملة يختزلها الفيلم بلقطة أو لقطتين، كما هو الحال في فيلم(لوليتا ) الذي اضطر مخرجاه: ستانلي كوبرنيك كوبريك وادريان أن يحذفا جزءا كبيرا من الرواية عن طريق معالجتها من نهاياتها أي تم استرجاعها على الشاشة من خلال تقنية(الفلاش باك) حيث ان مشهد تحضير بطل الرواية همبرت للائحة الاتهام، وسردها بطريقة شعرية على (كيلتي ) قبل أن يطلق النار عليه، لم يتحقق في السينما لأنه مشهد مكتوب شعراً. كما لم يتمكن أي منهما من نقل الروح الساخرة التي يتمتع بها فلاديمير نابوكوف.
أيهما يعطي الآخر؟
من المعروف، إن إعداد الرواية للسينما، يُعد مغامرة كبيرة. فمن الممكن أن يسيء الفيلم للرواية. وقد فشلت السينما في بعض الأحيان من نقل الرواية بكل روحيتها ومفرداتها إلى الشاشة، مما حدا بروائيين كبار أمثال أمبرتو ايكو أن يطالب برفع اسمه عن روايته الشهيرة(اسم الوردة). فيما تحفظ نجيب محفوظ على عدد من الأفلام التي استوحيت من رواياته على الرغم من أنه كتب سيناريوهات أفلام عديدة.
واستطاع أيضاً أن يزاوج بين الرواية والسينما، ويستنفذ الرؤى من كليهما، تقنية وفكراً وإبداعا. فالرواية الجيدة لا تصبح بالضرورة فيلماً جيداً. والعكس يمكن أن يحصل. تتمكن هوليوود، بتقنياتها المتطورة وضخامة إنتاجها، أن تحول رواية سيئة إلى فيلم رائع.
والسبب في ذلك يعود، بالإضافة إلى التقنيات والإنتاج، إلى أن هوليوود تعتمد على السيناريو، وتكلف عدداً من كتاب السيناريو من أجل إخراج أكثر صيغة تتلاءم مع عملية تصوير الفيلم.
وفي المقابل، هناك روايات رائعة صنعت منها السينما أفلاماً سيئة، إما لقصور رؤية المخرج ونقص ثقافته الأدبية أو لعجز الإمكانيات التقنية، التي هي جوهر السينما.
على سبيل المثال، لم يتمكن المخرج وارن هوارد أن يبدع فيلماً سينمائياً يوازي رواية (شيفرة دافنشي)، بكل تفاصيلها وأسرارها. كما فشل المخرج ميك نيويل، مع رواية (الحب في زمن الكوليرا) لغابرييل غارسيا ماركيز لأن الرواية كانت أكبر وعبقرية الروائي كانت تتجاوز ذهنية المخرج. وكذلك لم تنجح رواية (عمارة يعقوبيان) على الشاشة.
وحقق فيلم (العراب) المقتبس من رواية ماريو بوزو، بأجزائه الثلاثة، إلى آفاق متطورة. ومن الروايات التي يصعب نقلها إلى الشاشة، رواية (العطر) للكاتب الألماني باتريك سوسكيند، فهل يمكن التعبير عن الروائح والعطور التي تقوم عليها الرواية إل فيلم سينمائي؟ حاول مخرج الفيلم توم توكفير أن يجند كل طاقاته من أجل فهم هذه الرواية ولكن الروح الفلسفية كانت من العقبات الصعبة أمام الإخراج.
هل يظهر الفيلم بمستوى الرواية؟
هذا سؤال مؤرق بالنسبة للمخرجين. ولعل الرواية المكتوبة بطريقة اللقطة السينمائية هي الأكثر ملاءمة للإعداد السينمائي كما فعل الروائي هنري جيمس لأنها المخرج يجد مادة مرئية جاهزة أمامه، تشبه إلى حد ما التقطيع في السيناريو الأدبي
.
وعلى الرغم من الوشائج التي تربط الرواية بالسينما، فإن لكل منهما عالمه وجمهوره الخاصين.
الموجة الجديدة والسينما
لقد أضاف الأدب بعداً جديداً إلى السينما، سواء على صعيد التقنية أو على صعيد الفكر. وهناك تفاعل مستمر بين عالم الكلمة وعالم الصورة. أحدهما يضيف إلى الآخر.
يعتقد الروائي الفرنسي ألن روب غرييه، رائد الرواية الجديدة، أن الفن السينمائي أكثر قابلية لاحتواء النصوص الأدبية، وخاصة بالنسبة لأعماله التي تعتمد على الذهنية المرئية.
وقد كتب مباشرة للسينما نصوصاً سينمائية، وفيلمه الأول (السنة الأخيرة في مارينباد) دشن لغة سينمائية أدبية جديدة.
ثم توالت أفلامه في هذا المجال، وتوج ذلك في فيلمه (لأسيرة العاشقة).
فهي رؤية جديدة بكل معنى الكلمة لعلاقة السينما بالرواية، وتجاوز لحدودها. والروائية مارغريت دورا، التي أبدعت هي الأخرى، في الكتابة السينمائية، سارت على خطى الن روب غرييه، فنقل المخرج ألن رينيه روايتها الشهيرة(هيروشيما.. حبيبتي) إلى الشاشة وأسس نمطاً جديداً.
ثم توالت أفلامها سواء التي كتبتها مباشرة على الشاشة أم رواياتها التي أعدتها بنفسها. على أية حال، وجدت الرواية الجديدة تعبيراتها في السينما أكثر من الرواية التقليدية، وظهرت روايات نتالي ساروت، وميشال بوتور، وجان ريكارد.
وروبير بانجيه، وكلود أولييه، وصموئيل بيكت، وكلود سيمون، أكثر استجابة للجمهور وخاصة مع ظهور (الموجة الجديدة) في السينما الفرنسية في فترة الستينات والسبعينات لأنها كانت تخاطب جماليات أدبية خاصة وتذوقاً جديداً، ترفض القوالب التقليدية حيث مهدت للدخول إلى السينما من بابها الواسع، عندما تخلت الموجة الجديدة عن التقنيات القديمة.
فقد تفاعلت الرواية الجديدة مع الموجة الجديدة لأنهما انطلقتا من القيم ذاتها، وهي الرؤية البصرية.
شاكر نوري



