دخلت الجاسوسية عالم الأدب في القرن التاسع عشر، إثر الفضيحة السياسية الخاصة بالضابط الفرنسي دريفوس، التي تابع الشعب أحداثها بشغف كبير من عام 1800 إلى 1890، ما لفت انتباه الكتاب والناشرين.

وهكذا تناول الروائيون موضوع الجاسوسية في أعمالهم، إلا أن هذا الجنس لم يرق إلى مصاف الأدب إلا بعد الحرب العالمية الثانية.بقيت ساحة أدب الجاسوسية حكراً على الكتاب البريطانيين زمناً طويلاً، وأبرز من كتبوا في هذا الإطار عملوا خلال مرحلة من حياتهم كجواسيس لبلدهم أو عملاء مزدوجين. هنا نبذة عن حياة كل منهم. ويليام سومرست مومعاش ويليام، الذي ولد 23 يناير عام 1874 في مرسيليا بفرنسا، يتيماً، حيث توفيت والدته وهو في الثامنة من عمر، ليتبعها والده بعد مضي عام. عاش حياة اليتم في كنف عمه ببريطانيا وعانى كثيراً في المدرسة الداخلية ليخرج منها بعاهة «التأتأة» التي بقيت معه حتى وفاته.

في السادسة عشرة، ألح على السفر إلى ألمانيا وهناك درس الأدب والفلسفة وعاد بعد عام واحد، رافضاً السير على خطى عائلته في المحاماة، وكان الحل الأخير دراسته للطب في لندن. وكان منذ طفولته يكتب ويدون مذكراته، وفي لندن تواصل مع واقع الحياة والطبقة الدنيا، حيث عرف معنى الموت والألم والأمل. ولم يكن يعلن عن أمنيته في أن يكون كاتباً لكونه دون السن القانوني.بعد حصوله على شهادة التخرج كطبيب عام 1897 نشر كتابه الثاني (ليزا من لامبيث) أو بعنوان (الخاطئة) حسب الترجمة العربية، الذي حقق له شهرة واسعة ساعدته على اتخاذ القرار في التفرغ للكتابة. ومع بدء الحرب العالمية الأولى 1914 عمل مع مجموعة من الكتاب (23 كاتباً) في الصليب البريطاني الأحمر، وعرفوا باسم (سائقو سيارة الإسعاف الأدباء). وخلال تلك الفترة أنجز رواية ثانية دفعته للعودة إلى بريطانيا، ليتعاون بعدها مع المخابرات البريطانية عام 1915 كعميل لها في سويسرا.

حيث كان يساعد في مرور وتهريب الجواسيس، تحت ستار مهنته كأديب. وفي عام 1917 كلف بمهمة أخرى في روسيا وذلك قبل نجاح الثورة البلشفية.وقد سخّر موم عمله في الجاسوسية لصالح الكتابة، حيث حول تجاربه إلى مجموعة قصص قصيرة بطلها آشندين الجاسوس الذي يتصف بالنبل والانعزالية والتي نشرت عام 1928، وتدور قصص المجموعة الست في روسيا وفرنسا وسويسرا وإيطاليا. وتعتبر مجموعته تلك بداية أدب الجاسوسية الحديث. وقد ألهمت قصصه العديد من الكتاب من ضمنهم إيان فليمينغ الذي استوحى من آشندين شخصية جيمس بوند الشهيرة.مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، اضطر موم إلى مغادرة مقر إقامته في الفيلا التي اقتناها على ساحل الريفييرا جنوب فرنسا، حيث كان من أثرى الأثرياء في عالم الأدب، وسافر إلى أميركا ليستقر في هوليوود.

غراهام غرين

تعاون غراهام غرين الروائي وكاتب القصة والمسرحية والصحافي مع المخابرات البريطانية أو مكتب (إم 16)، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وكان رئيسه المباشر الجاسوس والعميل المزدوج كيم فيلبي. وقد ساعده حبه للسفر والمغامرة والمخاطر على القيام بمهامه في العديد من البلدان ليستقيل من دوره التجسسي عام 1944. ويعزو البعض سبب استقالة غرين، لتفادي الشهادة ضد صديقه كيم فيلبي الذي تبين بأنه عميل مزدوج لصالح الاتحاد السوفييتي.

وما يحسب لغرين الذي ولد في 2 أكتوبر 1904بهيرثفوردشاير، أنه رفع في رواياته من قدر الجاسوس الذي يخدم بلده. ومن أشهر أعماله في هذا الإطار نص سيناريو فيلم (الرجل الثالث) الذي عرض عام 1949، ورواية (الأميركي الهادئ) التي نشرت عام 1955 و(عميلنا في هافانا) التي نشرت عام 1958.نشر غرين روايته (عميلنا في هافانا) بعد عودته من رحلته إلى كوبا.

وسَخِر فيها من المخابرات البريطانية التي تسعى إلى إخفاء أخطائها حفاظاً على ماء وجهها، من خلال بطله الكوبي جيمس ورمولد الذي يعمل كبائع متجول لمكانس كهربائية، ونظراً لظرفه المادي الصعب يقبل تجنيده من قبل المخابرات البريطانية.

يزود ورمولد مكتبهم بلندن بمعلومات وأسماء شبكة عملائه التي ألفها من نسج خياله، كما يبعث صوراً لتصاميم أسلحة تزمع الحكومة تصنيعها، ولم تكن تلك التصميمات إلا صوراً من تصاميم المكانس الكهربائية التي يسوقها.

لم يكن على دراية بتلك المخططات سوى العميل الذي جنده، والذي كان يخشى من كشف أمره خوفاً من فقدان مصداقيته لدى الوكالة وبالتالي خسارة لوظيفته. وتتفاقم الأحداث في هذا الإطار ليتداخل الخيال بالواقع، بدءاً بمقابلة العميلة البريطانية بياتريس التي أرسلت للتأكد من مصداقيته، إلى مطاردة جواسيس الأعداء، وانتهاءً بسفره مع بياتريس إلى لندن، حيث يتم التستر على حقيقة الأمر، خوفاً من خسارة مصداقية المكتب.

توفي غرين عام 1991 في سويسرا، حيث أمضى بقية حياته، ويعتبر من الكتاب القلائل الذين استطاعوا الجمع بين نخبوية الأدب وشعبية الأحداث التي تملك عنصر التشويق والترفيه.

إيان فليمينغ

اشتهر الروائي والصحافي إيان فليمينغ، بابتكاره شخصية العميل السري جيمس بوند أو 007، الذي كان بطل 12 رواية وتسع قصص قصيرة، مع بيع ما يزيد على 100 مليون نسخة من أعماله في مختلف بلدان العالم.

حاولت أسرة إيان الذي ولد في 28 مايو 1908 في لندن، إعداده للعمل في السلك الدبلوماسي وسافر إلى ألمانيا وفرنسا لإتقان اللغتين، إلا أنه فشل في امتحان القبول، وعمل مساعد محرر وصحافياً في مؤسسة (رويتر)، انتقل بعدها إلى العمل كوكيل في سوق الأسهم.

تقلد مع بداية الحرب العالمية منصب المساعد الشخصي لأدميرال في مخابرات الملكية البحرية، ثم تمت ترقيته ليصبح قائداً وكان اسمه الحركي (17 إف). وتمثل دوره في الغالب بوضع خطط المهمات والعمليات، وأصبح لاحقاً مسؤولاً عن وحدة تضم 30 مقاتلاً من الذين تلقوا تدريباً عالياً في الجاسوسية. وقد استخدم فليمينغ في روايات جيمس بوند العديد من المناورات والأحداث التي رافقت الوحدة.

وأول رواية صدرت له حملت عنوان (الكازينو الملكي) عام 1953، وبطلها العميل السري جيمس بوند. ومكنه نجاح رواياته في بريطانيا أولاً ولاحقاً في الولايات المتحدة، من التقاعد في نهاية الخمسينات والاستقرار في جامايكا.

كيم فيلبي

يعتبر الصحافي كيم فيلبي واسمه الحقيقي هارولد أدريان راسل فيلبي من أشهر الجواسيس الذين كانوا عملاء مزدوجين، وبات نجاحه بمثابة بأسطورة في عالم الجاسوسية، وسمي كيم تيمناً ببطل رواية روديارد كيبلينغ الذي ولد مثله في الهند وعمل كجاسوس لصالح البريطانيين.

أما مساهمته في أدب الجاسوسية فتمثل في كونه ملهماً للعديد من الكتاب الذين استلهموا من سيرته وشخصيته محوراً لأبطال رواياتهم، من ضمنهم فريدريك فورسايث بروايته (البروتوكول الرابع).

ومن العوامل التي سهلت مهمته في البداية، كون والده المستشرق جون فيلبي الذي تمتع بمكانة مرموقة سواء كضابط عسكري أو دبلوماسي، حيث لعب دوراً بارزاً في المنطقة العربية، وكان مناصراً للعرب خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها.خلال مرحلة الدراسة في جامعة كامبردج، تعرف كيم إلى النظام الشيوعي، وبدأ تعامله مع المخابرات الروسية خلال تلك المرحلة. وفي عام 1933 سافر إلى فيينا لمساعدة اللاجئين الهاربين من النازية، وتحت هذا الستار بدأ التعاون.

تقدم مع بدء الحرب العالمية الثانية، بطلب لوكالة الاستخبارات البريطانية وتم قبوله استناداً إلى نسبه العائلي، وتم تعيينه كمشرف على فنون الدعاية السوداء. ومع مضي الوقت توسعت مسؤولياته وأنشطته لتشمل اسبانيا والبرتغال.

وفي مرحلة الحرب الباردة بات رئيساً لأحد أقسام الوكالة مما سهل وصوله إلى العديد من الملفات السرية، ثم عمل إلى حين في تركيا لينتقل بعدها إلى واشنطن عام 1949، حيث وصل نشاطه إلى الذروة، حيث نجحت معلوماته في إحباط العديد من الخطط البريطانية الأميركية سواء في ألبانيا أو غيرها من البلدان، إلى جانب تسببها في تصفية عدد كبير من العملاء الروس الذي عملوا ضد مصلحة بلادهم.

وحينما كشف أمره أخيراً، كان يعمل في بيروت. واستطاع الهرب في 23 يناير عام 1963 على متن سفينة قبل تمكن سلطات بلاده من اعتقاله، واستقر في موسكو حتى وفاته في 11 مايو 1988.

رشا المالح