الإنسان مخلوق يتحرك بالفطرة، ذهابا وإيابا، صراع نحو الأفضل، حركة لا تخمد حتى أثناء النوم، فتظل الجفون ترمش، ودقات القلب تعلن تواجد الإنسان، والدماغ يفكر في مرحلة اللاوعي، والعضلات تتحرك ببطء وكأنها تخاف أن يستيقظ الإنسان.

والأذن تتحرك لتسمع النداء والفم يبتلع اللعاب، والأمعاء في حركة دائرية لا تخفت، حركات طبيعية خلقها الله من أجل البقاء، وعندما تدخل الإنسان عكر صفو الحركات، فكانت حركات عدوانية فتشب الحروب، وحركات سيطرة وهيمنة فيكون الاستعمار والاستيلاء على حقوق الآخر حركات عنف، فتكون الكراهية والبغضاء.بحار تموج في عنفوان، رياح تغلف العالم كله، وكذا حركة الشَمس ليكون الشروق والغروب مواقع النجوم في حركة ضياء وخفوت، مدّ وجزر وحركة يهيمن عليها القمر، براكين تفور وتشتعل، وأخرى تفضل السكون، زهور تتحرك لتغازل الشمس، ثم تغفو ليلاً في خجل من ضياء القمر...

حركة الذرات والأيونات لا ترصدها العين، الطيور تحلق بين السماء والأرض، والأسماك تبقى في صراع لبلوغ الأعمق.. حضور جميل إنها الحركة الأرقى في سلم الكائنات وتدرجها، لأن الله سبحانه وتعالى كرمه، وفضله على العالمين، وحمله الأمانة، فكان الأرقى بلا منافس. متى وكيف تبدأ حركة الإنسان؟ جنين هو عندما يتحرك في رحم الأم، ليثبت حضوره الجميل حتى يخرج إلى عالم مختلف، تدرجت حركته فيه ليتعرف الى ثديي أمه ليتغذى على رحيق لبن الأم الذي خُلق بإعجاز كبير لم يتوصل أطباء العالم إلى أسرار مكوناته، يبتسم الصغير فتتحرك قسماته فيكون الجمال كله وحب يتفجر فيما بينه وبين أمه، ليدوم كل العمر.

ثقافة ووعي

الإبداع في كل المجالات، ولم يجد العلماء أصحاب هذه النظرية، أعلى من السماء التي خلقها الله سبحانه وتعالى «بدون عمد»، وبإعجاز الخالق، فالسير تحت السماء شاهقة الارتفاع يؤدي إلى مرحلة الإبداع الحق.

معظم الحركات تكون مصحوبة بصوت، أصوات العضلات في الرياضات المختلفة العنيفة كالكونغوفو والتايكواندو والكاراتيه، وأخرى تشق عباب البحار في سباقات السباحة وغيرها، تحركات فوق العَجل فتكون سباقات الدراجات واختراق الضاحية والعدو وسباقات الخيول والهجن.

وحركات أخرى تعكس ثقافة الوعي بالقد الممشوق وثقافة الجمال والعناية بالمظاهر والجوهر، هي رياضة «الايروبيك» على أنغام الموسيقى وتتم في النوادي الرياضية النسائية، حيث يتمايل الجسم مع النغم، فيكون الإيقاع الذي يترك بصمة جمالية على القد الممشوق الذي تغنى له أهل المغنى في زمن عرف الجمال:

قدُك المياس يا عمري

يا غُصين البان كاليُسْرِ

أيضاً تتوهج بوعي ثقافة الحركة لدى الشعوب التي فهمت أهمية الحراك بالنسبة للصحة والتفكير والإبداع، فكان «التانغو الارغينيو»، وهو فن لرقص التانغو الفرنسي على أنغام موسيقى شتراوس وشوبان، فيتحمل القد الممشوق، وتتفلتر سلبيات التفكير، وينطلق الخيال بلا حدود، فيكون الإبداع بكل معانيه، والإقبال على العمل بكل إيجابية، وإنتاجية عالية، ربما تفتقدها في عالمنا العربي، لأن الخمول أحياناً هو سّيد الموقف!!

الحركة والفن السابع

الإنسان والحركة، وجهان لعملة إيجابية واحدة هي الصحة والثقافة والإبداع ونسبة الاستمتاع بالحياة، والفن وثقافة الحركة هما ارتقاء وتدرج في حياة الإنسان، بدايتها يحبو الطفل، ثم يسير مهتز الخطى، ثم ينمو واثقها «واثق الخطوة يمشي ملكاً».. ومعه تسير الدنيا فتكون حكاية إنسان من أجل البقاء الأفضل والأرقى.

وفنون الحركة كثيرة السير، القفز، العدو والعنف، الحنو، وهناك حركة خاصة جداً لها لغة مميزة هي حركة العيون، منها «الحب من أول نظرة»، ونظرة انكسار عندما تتدلى الجفون في حركة يأس وغلبة على أمرها.

فنون الحركة متعددة في السينما، منها سينما الأكشن على المستويين العربي والعالمي، فعلى المستوى العربي تعتبر أفلام أحمد السقا قمة الأكشن العربي قبل فيلم «تيتو» وفيلم «أفريكانو» وفيلم «حرب أطاليا»، وغيرها الكثير، وأيضاً فيلم «تيمور وشفيقة». ومعظم أفلام الحركة أو الأكشن بلغة السينما العالمية لأفلام أحمد عز مثل «الشبح» وغيره الكثير.

وإذا تحدثنا عن سينما الحركة في بدايات ومنتصف السينما المصرية، فلا يفوتنا أن نتذكر «الملك» فريد شوقي «ملك الترسو» حسبما كان يطلق عليه، من أشهر أفلامه في مجال سينما الحركة «رصيف نمره 5» وغيره الكثير.

كذلك سينما الحركة العالمية من أهمها فيلم «ترمبنيتر» من بطولة آرنولد شوارزينغر، وفيلم «ايرون مان» من بطولة «داوني غودينغ وغونير» وجميعها من أفلام الحركة السريعة والخطيرة، ولا يفوتنا أفلام «بات مان» و«سبايدر مان»، وأفلام «الوسترن» التي تميزت بشخصيات «الكاوبوي» رعاة البقر.

وتجسد سينما جنوب شرقي آسيا، وخاصة السينما الصينية واليابانية، تجسد ـ أفلام الأكشن بشكل جديد ومبتكر مثل الفيلم الصيني «كراوشينج تايغر، هايدن دراغون»، أي «النمر المتحفز والتنين الخفي»، وهو فيلم حاصد الجوائز، منها الأوسكار في العام 2001، ويعتبر من كلاسيكيات السينما اليابانية، «زي زهانغ» والفيلم من نوعية الأفلام الرمزية الذي يستخدم الحركة في السيطرة على الطبيعة.

ويعتبر فيلم «بيت الخناجر» من سينما الحركة الصينية؟ يعتبر من كلاسيكيات هذه النوعية من الأفلام، والحائزة أيضاً على الأوسكار.

رياضة فكرية

لانزال نتحرك! فن البانتومايم يعكس رسائل ومعاني بحركات مدروسة بالجسد، من أشهر من قاموا بأداء هذا الفن على المستوى العربي هو «الرجل المطاط» وهو اسمه الحقيقي، فن الباليه.. حركات رشيقة لكل منها رسالة خاصة ضمن منظومة حكاية أبطالها من راقصي الباليه المحترفين، من أهم المسرحيات في فن الباليه، «بحيرة البجع» وغيرها، وهو فن راق يثري الفكر، يعتمد على ثقافة الحركة.

ويؤكد علماء النفس والسلوكيات، ومنهم د. أوليفر بركمان الذي يكتب مقالات رأي طبية في معظم الصحف العالمية الغربية، ان رياضة السير على الأقدام يوماً لمدة ساعة في ظروف مناخية مناسبة، تنعش الذاكرة خاصة في مرحلة الستينات من العمر.

حيث ان نسبة الأوكسجين العالمية التي تدخل للدماغ توقظ مراكز الذاكرة بالمخ، ويقوم الأطباء في مصحات المسنين باللجوء لهذه الرياضة بالنسبة لمرضاهم لتحسين أوضاع الذاكرة، خاصة الذاكرة الخاصة بالحاضر، لأن الذاكرة في الماضي يقوم المخ بتسجيلها بطريقة خاصة معها لا ينسى الماضي أبداً، ومرض الزهايمر يكون خاصاً فقط بفقدان ذاكرة الحاضر (الذاكرة اللحظية).

ويضيف الدكتور بركمان بأن حركة السير السريع نسبياً بالنسبة للشباب من مميزاتها تنظيم التفكير، ووضع حلول للمشكلات اليومية والمستقبلية، وتعمل على تنظيم الأجندة اليومية للإنسان حتى لا يلجأ للصدفة أو عشوائية التصرف، ومن هنا تكون حركة السير بأحذية مريحة خاصة بالسير والعدو فقط، تحفز الدارسين على الاحتفاظ بكل المعلومات التي تمت دراستها.

ويقوم الدماغ في مراكز الحفظ بتسجيلها، والحركة في السير تحرك الجسم كله في آلية منتظمة، فيحدث التناغم الفكري والجسدي معاً، وهنا ينتعش الإنسان ويكون في أفضل حالاته النفسية والصحية.

وأثبتت التجارب والدراسات في مستشفى بون بألمانيا بأن الأطفال ابتداءً من سن ثلاث سنوات وحتى نهاية العمر، إذا مارسوا رياضة السير يومياً، يكونون من المبتكرين في مجالات متعددة سواء العلمية أو الفنية أو الثقافية، فهناك صلة مباشرة فيما بين حركة الجسم أثناء السير وحركة الدماغ في آن واحد، وبالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة فيمكنهم تحريك الأعضاء السليمة في جسمهم حتى لا يحدث لهم ما يعرف علمياً باسم «التخاذل الفكري» فتزداد إعاقتهم وتتدهور نفسيتهم، ويبعد الأمل عنهم فيصبح محالاً.

ويؤكد علماء جامعة بون في مجال تخصص الحركة، أنه كلما كان السقف عالياً شعر معه الإنسان بالتحليق والانعتاق وهما وجهان لعملة

ماذا عن تأثير حركة الأجرام السماوية في نفسية الإنسان؟

هي حركة من نوع خاص جداً، تتداخل الأجرام بطريقة معينة معروفة في علم الفلك، بالإضافة لحركة القمر وانتقاله في مراحل مختلفة منذ ولادة الهلال حتى اكتمال ليلة 14، يكون لذلك كله تأثير إيجابي أحياناً أو سلبي في أحيان أخرى.ولكن بحلول عصرنا الحديث، وظهور التكنولوجيا التي جذبت الإنسان وسلبته الحركة والإرادة معاً، انزوت حركة الإنسان وتقلصت وسط ابتكارات عصر جديد.

ولكن كيف؟.

ريموت كونترول (جهاز التحكم عن بُعد) والانترنت، ومئات الفضائيات، والكتب الإلكترونية، وأدوات المنزل الكهربائية وسيارات فارهة، وموبايل لا يفارق الأذن، وريموت كونترول خاص بفتح وإغلاق باب المنزل، وآخر يتحكم في فتح وإغلاق الستائر، وجراجات تفتح وتغلق «بكارت» الكتروني، كل ذلك وأكثر معه ودع الإنسان كل أنواع الحراك الجسدي، وأسلم نفسه لتقنيات، وجلس وغاص في كرسي وثير في حجرة المعيشة فقط ليكون المتلقي لكل ما تعرضه الفضائيات.

غاب الإبداع، والقد الممشوق تحول «لشجرة الجميز» وسط تناول المقرمشات وكرتونات العصير والوجبات السريعة جداً، ضاع الإنسان في عصر غابت فيه الحركة، وزادت حركة اللسان في الكلام وابتلاع الطعام، والرد على المحمول الذي لا يفارق الأذن، اختلفت صورة الإنسان، وغابت الحوارات والحراك والحركة.

غابت الحركة.. فغاب الفكر والإبداع..

ولكن لا يأس مع الحياة ولا مع زمن صادر العضلات والأفكار، فدائماً هناك أمل في غد أفضل يحث على الحركة والحراك، وما علينا إلا إعادة برمجة عالمنا حتى نكون جديرين بالعيش فيه أصحاء مفكرين ومبدعين ومتحركين، هكذا نأمل.. ولكن هناك في نهاية النفق سكوناً يفرض حضوره.

فالموت هو انتقال من الحركة إلى السكون حسبما يقول الفيلسوف نيشه، هنا فقط لا بد من الرضوخ والانتقال لعالم أبدي أفضل بكثير جداً...!

جدارية السوق.. حركة ملونة

جدارية «السوق» التي رصد فيها الفنان التشكيلي طه القرني حركة الأسواق في مصر والتي يصل ارتفاعها لثلاثة أمتار وعرضها لأربعة أمتار، والتي حطمت رقماً قياسياً دخلت به موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

اللوحة العملاقة نجحت ليس فقط في رصد حركة الأسواق المصرية كسوق الجمعة وسوق الثلاثاء وسوق الناصرية وغيرها الكثير وجميعها أسواق تعتمد على الحركة حيث تباع فيها الخضراوات والطيور والمواشي، والملابس المستعملة لمحدودي الدخل، والفواكه ولعب الأطفال، برع القرني في رسم الوجوه الآتية من صعيد مصر وقرى كرداسة ونزلة السمان مبرزاً حركة العيون والفن والشفاه، بحيث بدت الحركة واضحة في هذه الجدارية النادرة.

وقد امتاز وتفرد الفنان التشكيلي طه القرني برصد حركة الشخوص التي يرسمها، فجاءت أعماله غاية في الحيوية والإبداع وكأنها شخوص تحاور المشاهد لكل أعماله.

رقصة التنورة مع حركة الكون

مميزة جدا «رقصة التنورة» التي يدور من خلالها الراقص المحترف بطريقة دائرية، تتلمس قدماه الأرض، ليحلق عالياً في الشكل والرمز والمصحون، وكأنه في حالة عشق يدور فيها مع حركة الكون الدائرية.

فعلى قرع الدفوف والأغاني الصوفية في الخلفية، يدور ويدور ويلف راقصو التنورة في إيقاع منتظم.جسد فيلم «ألوان السماء السبعة» هذه الرقصة التي قام بها الفنان الكبير فاروق الفيشاوي، معه ليلى علوي التي شاركته البطولة، والفيلم من إخراج سعد هنداوي، حيث فاز الفيلم بعدة جوائز في العديد من المهرجانات السينمائية.

الفيلم من النوع الرمزي، يحكي قصة راقصي التنورة وفاروق الفيشاوي يجذب إلى عالمه ليلى علوي التي كانت تعمل فتاة ليل ولكنها تابت، والرمز هنا هو الصراع بين الفضيلة والرذيلة، وإحداث توأمة بين الحق والباطل، لتكون الغلبة للحق والفضيلة والجمال.

«نايت ميوزيام» .. حركة بعد سكون

فيلم خيال علمي أميركي، باسم «نايت ميوزيام» أي المتحف ليلاً من بطولة بن ستيلر يجمع الفيلم بين السكون والحركة في إطار خيال علمي غريب، فالمتحف يضم شخوصاً تاريخية من كل زمان ومكان وحيوانات مازالت موجودة وأخرى انقرضت، تواجدت في المتحف بهيكلها العظمي فقط كالديناصورات.

تدور أحداث الفيلم داخل المتحف ليلاً عندما يغلق أبوابه وراء زوار الصباح وطوال اليوم، ويبدأ المشرف على المتحف في رصد كل محتويات المتحف ويطمئن على أنها لم تسرق خلال الزيارات النهارية للجمهور.

ولكن الحارس «بن ستيلر» يُفاجأ بشيء أغرب من الخيال، بأن الحركة تدب في كل شخوص المتحف وحيواناته في فوضوية عارمة، حروب تنشب بين القبائل الصينية القديمة، وصراعات على مناصب في أفراد الجيوش البريطانية والألمانية القديمة، وخروج الحيوانات عن صمتها لتشن الهجوم على بعضها البعض.

فكرة الفيلم خيالية تصور صمت الليل وحركة المعروضات الآدمية التاريخية والحيوانات. وعند أول شعاع للشمس تتجمد مكانها مرة أخرى. ولم يكتشف أحد ذلك سوى الحارس الذي كان عليه أن يحرس بصفة خاصة سبيكة ذهبية من العصر الفرعوني، ولكنه يكتشف سرقتها من قبل حراس قبله، ولكنه يحمس الفراعنة القدامى أن يبحثوا عنها لأنها ملك لهم أثناء حراك الليل، وينجحون في ذلك، ثم ينتهي الحراك مع أول شعاع للشمس.

ابن الحارس لم يصدق والده، ولكنه قضى معه ليلة من ليالي هذا المتحف.. انبهر بها وبوالده، وتفهم التاريخ عن قرب بخيال علمي رائع، يجسد الحركة والسكون معها.

منى مدكور